رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ؟ فقام بضعة عشر رجلا ، منهم
أبو أيوب الأنصاري فقالوا : نشهد إنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ
بيدك يوم غدير خم فقال : ألستم تشهدون أن قد بلغت ونصحت ؟ قالوا : نشهد أنك
قد بلغت ونصحت .
قال : ألا إن الله وليي ، وأنا ولي المؤمنين ، ألا فمن كنت مولاه فهذا مولاه ، اللهم
وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه ، وأبغض من أبغضه ، وأعن من
أعانه .
ومنها
حديث الحارث عنه عليه السلام
رواه جماعة من أعلام العامة في كتبهم :
فمنهم الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين المشهور بالعراقي المولود سنة
725 والمتوفى 806 في " ذيل ميزان الاعتدال " ( ص 209 ط جامعة أم القرى بمكة
المكرمة ) قال :
خالد بن عامر بن عداس ، روى عن فطر ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث
الأعور ، عن علي حديث " من كنت مولاه فعلي مولاه " ( 1 ) .
هامش
1 ) قال العلامة الشيخ كمال الدين أبو سالم محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن القرشي
النصيبي العدوي الشافعي المتوفى سنة 652 في " مطالب السؤول " ص 16 ط طهران
سنة 1287 :
وروى [ أي الترمذي ] بسنده أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كنت
مولاه فعلي مولاه . وهذا اللفظ بمجرده ، ورواه الترمذي ولم يزد عليه وزاد غيره ذكر
اليوم والموضع ، فذكر الزمان وهو عند عود رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة
الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وذكر المكان وهو ما بين مكة والمدينة
يسمى خم في غدير هناك يسمى ذلك اليوم يوم غدير خم ، وقد ذكره ( ع ) في شعره
الذي تقدم وصار ذلك اليوم عيدا وموسما لكونه كان وقتا خص رسول الله عليا بهذه
المنزلة العلية وشرفه بها دون الناس كلهم .
ونقل عن زاذان قال : سمعت عليا في الرحبة وهو ينشد الناس : من شهد منكم
رسول الله يوم غدير خم وهو يقول ما قال . فقام ثلاثة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا
رسول الله يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه .
زيادة تقرير :
نقل الإمام أبو الحسن علي الواحدي في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده
إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : نزلت هذه الآية : ( يا أيها الرسول بلغ ما
أنزل إليك من ربك ) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب ، فقوله " من كنت مولاه
فعلي مولاه " قد اشتمل على لفظة ( من ) وهي موضوعة للعموم فاقتضى أن كل انسان
كان رسول الله مولاه كان علي مولاه ، واشتمل على لفظة ( المولى ) وهي لفظة
مستعملة بإزاء معان متعددة قد ورد القرآن الكريم بها فتارة تكون بمعنى أولى ، قال الله
تعالى في حق المنافقين : ( مأويكم النار هي مولاكم ) معناه أولى ، وتارة بمعنى
الناصر ، قال الله تعالى : ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم )
معناه أن الله ناصر المؤمنين وأن الكافرين لا ناصر لهم ، وتارة بمعنى الوارث ، قال الله
تعالى : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) معناه وراثا ، وتارة بمعنى
العصبة ، قال الله تعالى : ( وإني خفت الموالي من ورائي ) معناه عصبتي ، وتارة
بمعنى الصديق والحميم ، قال الله تعالى : ( يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ) ،
معناه حميم عن حميم وصديق عن صديق وقرابة عن قرابة ، وتارة بمعنى السيد المعتق
وهو ظاهر .
وإذا كانت لهذه المعاني فعلى أيها حملت إما على كونه أولى كما ذهب إليه طائفة أو
على كونه صديقا حميما فيكون معنى الحديث من كنت أولى به أو ناصره أو وارثه
وعصبته أو حميمه أو صديقه فإن عليا منه كذلك ، وهذا صريح في تخصيصه لعلي
( ع ) بهذه المنقبة العلية وجعله لغيره كنفسه بالنسبة إلى من دخلت عليهم كلمة " من " التي
هي للعموم بما لم يجعله لغيره .
وليعلم إن هذا الحديث هو من أسرار قوله تعالى في آية المباهلة ( قل تعالوا ندع
أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) والمراد نفس علي ( ع ) على ما
تقدم ، فإن الله تعالى لما قرن بين نفس رسول الله وبين نفس علي وجمعهما بضمير
مضاف إلى رسول الله أثبت رسول الله لنفس علي بهذا الحديث ما هو ثابت لنفسه على
المؤمنين عموما ، فإنه أولى بالمؤمنين وناصر المؤمنين وسيد المؤمنين . وكل معنى
أمكن إثباته مما دل على لفظ المولى لرسول الله فقد جعله لعلي ، وهي مرتبة سامية
ومنزلة سامقة ودرجة علية ومكانة رفيعة خصصه ( ص ) بها دون غيره ، فلهذا صار
ذلك اليوم يوم عيد وموسم سرور لأوليائه .
تقرير ذلك وشرحه وبيانه : اعلم أظهرك الله بنوره على أسرار التنزيل ومنحك بلطفه
تبصرة تهديك إلى سواء السبيل إنه لما كان من محامل لفظة المولى وأن معنى الحديث
الناصر ، من كنت ناصره فعلي ناصره فيكون النبي قد وصف عليا بكونه ناصر الكل من
كان النبي ناصره فإنه ذكر ذلك بصيغة العموم ، وإنما أثبت النبي هذه الصفة وهي الصفة
الناصرية لعلي لما أثبتها الله عز وجل لعلي فإنه نقل الإمام أبو إسحق الثعلبي يرفعه بسنده
في تفسيره إلى أسماء بنت عميس ، قالت : لما نزل قوله تعالى ( وإن تظاهرا عليه فإن
الله هو مولاه وصالح المؤمنين ) سمعت رسول الله يقول : صالح المؤمنين علي بن
أبي طالب ، فلما أخبر الله فيما أنزله على رسوله أنه ناصره هو الله وجبريل وعلى ثبت
صفة الناصرية لعلي فأثبتها النبي اقتداء بالقرآن الكريم في إثبات هذه الصفة له ، ثم
وصفه ( ص ) بما هو من لوازم ذلك بصريح قوله فيما رواه الحافظ أبو نعيم في حليته
بسنده أن عليا دخل فقال : مرحبا بسيد المسلمين وإمام المتقين ، فسيادة المسلمين
وإمامة المتقين لما كانت من صفات نفسه وقد عبر الله تعالى عن نفس علي بنفسه
ووصفه بما هو من صفاتها . فافهم ذلك .
ثم لم يزل يخصه ( ع ) بعد ذلك بخصائص من صفاته نظرا إلى ما ذكرناه حتى
روى الحافظ أيضا في حليته بسنده عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله ( ص )
لأبي برزة وأنا أسمع : يا أبا برزة إن الله عهد إلي في علي بن أبي طالب إنه راية الهدى
ومنار الإيمان وإمام أوليائي ونور جميع من أطاعني ، يا أبا برزة علي بن أبي طالب
أميني غدا في القيمة وصاحب رايتي في القيمة على مفاتيح خزائن رحمة ربي وهو
الكلمة التي ألزمها المتقين من أحبه أحبني ومن أبغضه أبغضني فبشر بذلك .
فإذا وضح لك هذا المستند ظهرت حكمة تخصيصه عليا بكثير من الصفات دون
غيره وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .
وقد روى الأئمة الثقات البخاري ومسلم والترمذي رضي الله عنهم في صحاحهم
بأسانيدهم أحاديث اتفقوا عليها وزاد بعضهم على بعض بألفاظ أخرى والجميع صحيح
فمنها عن سعد بن أبي وقاص ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف عليا في
غزوة تبوك على أهله فقال : يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال : أما
ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي ؟ قال ابن المسيب :
أخبرني بهذا عامر بن سعد ، عن أبيه فأحببت أن أشافه سعدا فلقيته فقلت له : أنت
سمعته من رسول الله ، فوضع أصبعيه على أذنيه وقال : نعم وإلا استكتا .
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .
وروى مسلم والترمذي بسنديهما أن معاوية بن أبي سفيان أمر سعد بن أبي وقاص
قال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن
أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم : سمعت رسول الله يقول له
وخلفه في بعض مغازيه فقال علي : خلفتني مع النساء والصبيان ، فقال له رسول الله :
أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .
وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله
ورسوله ، فتطاولنا إليها فقال : ادعوا لي عليا ، فأتي به أرمد فبصق في عينيه ورفع إليه
الراية ففتح الله عليه ، ولما نزلت هذه الآية ( ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم
وأنفسنا وأنفسكم ) دعا رسول الله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال : اللهم هؤلاء
أهلي .
ونقل الترمذي بسنده ، عن عمران بن حصين ، قال : بعث رسول الله جيشا واستعمل
عليهم علي بن أبي طالب ، فمضى في السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه وتعاقد أربعة
من أصحاب رسول الله فقالوا : إذا لقينا رسول الله أخبرناه بما صنع علي بن أبي طالب
فكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدؤوا برسول الله فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى
رحالهم ، فلما قدمت السرية فسلموا على رسول الله فقام رجل من الأربعة فقال : يا
رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا ، فأعرض عنه رسول الله ، ثم قام
الثاني فقال مثل مقالته فأعرض عنه ، ثم ( قام ) الثالث فقال مثل مقالته فأعرض عنه ، ثم
قام الرابع فقال مثل ما قالوا فأقبل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والغضب يعرف
في وجهه فقال : ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ إن
عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي .
ونقل بسنده عن أم سلمة زوج النبي : لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن .
وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال : كنا نعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار ببغضهم
علي بن أبي طالب .
وعن ابن عباس أن النبي أمر بسد الأبواب إلا باب علي قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لعلي : يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك .
وعن أبي سعيد الخدري قال : صح وروى مسلم والترمذي والنسائي بأسانيدهم عن
زر بن حبيش ، قال : سمعت عليا يقول : والذي فلق الحبة وبرء النسمة إنه لعهد النبي
الأمي إلى أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا فاسق ( خ . ل : منافق ) .
ونقل الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي رضي الله عنه في تفسيره بسنده
يرفعه إلى ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله : ( وعلى الأعراف رجال يعرفون
كلا بسيماهم ) أنه قال : الأعراف موضع عال من الصراط عليه العباس وحمزة وعلي
ابن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد
الوجوه .
وهذه فضيلة مفرة عمود فجرها مثمرة عود فخرها .
وروى الترمذي عن أنس بن مالك قال : بعث النبي ( ص ) ببراءة مع أبي بكر ثم
قال : لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي ، فدعى عليا فأعطاه إياه .
وعن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وأمره أن ينادي
بهذه الكلمات ثم أتبعه عليا ، فبينا أبو بكر ببعض الطريق إذ سمع رغا ناقة رسول الله
القصوى ، فقام أبو بكر فزعا يظن أنه رسول الله ، فإذا علي فدفع إليه كتابا من رسول الله
وأمر عليا أن ينادي بهؤلاء الكلمات ، فإنه لا ينبغي أن يبلغ عني إلا رجل من أهلي ، ثم
اتفقا فانطلقا فقام علي أيام التشريق ينادي ذمة الله ورسوله برية من كل شرك فسيحوا
في الأرض أربعة أشهر ولا يحجن بعد العام مشرك ولا يطوفن بعد اليوم عريان ولا
يدخلن الجنة إلا كل نفس مؤمنة . قال : فكان علي ينادي بهذه الكلمات ، فإذا عيي قام
أبو بكر ينادي بها .
ويروى عن أم عطية قالت : بعث النبي جيشا فيهم علي بن أبي طالب ، قالت :
فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم لا تمتني حتى تريني علي بن
أبي طالب .
وروى عن علي ، قال : كنت إذا سألت رسول الله أعطاني وإذا سكت ابتدأني .
وروى عن علي أنه قال : كنت شاكيا فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا
أقول : اللهم إن كان لي أجلي قد حضر فأرحني وإن كان متأخرا فارفعني وإن كان بلاء
فصبرني . فقال رسول الله : كيف قلت ؟ فأعدت مقالتي . قال : فضربني برجله وقال :
اللهم عافه أو أشفعه - شك الراوي أيهما قال - قال علي : فما أشكيت وجعي ذلك بعد .
وروى النسائي بسنده ، عن علي ( ع ) أنه قال : كانت لي منزلة من رسول الله لم
تكن لأحد من الخلائق ، أتيته بأعلا السحر فأقول : السلام عليك يا نبي الله ، فإن تنحنح
أنصرف إلى أهلي وإلا دخلت عليه .
إلى أن قال بعد نقل الأحاديث التي ذكرناها سابقا :
وهذه الأحاديث النبوية مع اختلاف ألفاظها وتعدد رواتها وحفاظها - وإن كان كل
حديث منها عند تجريد النظر إليه وحده خبرا واحدا يفيد ظنا بمدلوله الخاص به -
لكنها جميعها قد اشتركت دلالتها الخاصة في مدلول عام اشتركت كلها فيه ودلت عليه ،
وعناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلي وسيلة إليه وإشفاقه عليه واستعانته به
وتخصيصه بعلو المكانة عنده والمنزلة منه ، فصارت جميعها دالة على هذا المعني
المشترك دلالة تكاد تلحق بالتواتر المفيد للعلم ، فصارت هذه دلالتها على ذلك نازلة
في ضرب المثال كجماعة من الناس سألوا عن شخص من الأكابر فذكر واحد منهم أن
ذلك الشخص كساه الملك خلعة وذكر آخر أن الملك وهبه جارية وذكر بعضهم أن
الملك أعطاه قرية وذكر بعضهم أن الملك أسكنه دارا وذكر بعضهم أن الملك أطلق له
نفقة ، فأخبر كل واحد منهم عن شئ غير ما أخبر به الباقون لكن اتفقت أخبارهم عن
معنى مشترك دلت أقوالهم عليه وهو إحسان الملك إليه وعنايته به ، فيحصل للسامعين
علم بأن هذا الشخص المذكور له عند الملك منزلة عالية ومكانة خصصه بها يكاد يلحق
بعلم اليقين ، فكذلك هذه الأحاديث النبوية المتعددة الصادرة منه في حق علي في
دلالتها على ما ذكرناه . فهذا تأصيل دلالة اجمالية على شرحته آنفا .