وأمه أم ولد .
قال أبو الفرج : حدثني الحسن بن علي الحفاف ، قال : حدثنا عيسى بن مهران ، قال :
حدثنا أبو الصلت الهروي قال : سألني المأمون يوما عن مسألة فقلت : قال فيها أبو بكر
كذا وكذا .
فقال : من ( هو ) أبو بكر ؟ أبو بكرنا أو أبو بكر العامة ؟
قلت : أبو بكرنا .
قال عيسى : قلت لأبي الصلت : من أبو بكركم ؟ فقال : علي بن موسى الرضا ، كان
يكنى بها ، وأمه أم ولد .
كان المأمون عقد له على العهد من بعده ، ثم دس إليه فيما ذكر بعد ذلك سما
فمات منه 1 ) .
هامش
1 ) قال العلامة أبو الفرج علي بن الحسين بن محمد الإصبهاني في " مقاتل الطالبيين "
( ص 402 ط دار إحياء علوم الدين ، بيروت ) قال :
أخبرني ببعضه علي بن الحسين بن علي بن حمزة ، عن عمه محمد بن علي بن حمزة
العلوي . وأخبرني بأشياء منه أحمد بن محمد بن سعيد ، قال : حدثنا يحيى بن الحسن العلوي ،
وجمعت أخبارهم :
إن المأمون وجه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة ، وفيهم علي بن
موسى الرضا ، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاؤه بهم ، وكان المتولي لإشخاصهم
المعروف بالجلودي من أهل خراسان ، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا ، وأنزل علي بن
موسى الرضا دارا .
ووجه إلى الفضل بن سهل فأعلمه أنه يريد العقد له ، وأمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن
سهل على ذلك ، ففعل واجتمعا بحضرته فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ، ويعرفه ما في إخراج
الأمر من أهله عليه .
فقال له : إني عاهدت الله أن أخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع ، وما
أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل .
فاجتمعا معه على ما أراد ، فأرسلهما إلى علي بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى ، فلم يزالا به
وهو يأبى ذلك ويمتنع منه ، إلى أن قال له أحدهما : إن فعلت وإلا فعلنا بك وصنعنا ؟
وتهدده ، ثم قال له أحدهما : والله أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد .
ثم دعا به المأمون فخاطبه في ذلك فامتنع ، فقال له قولا شبيها بالتهدد ، ثم قال له :
إن عمر جعل الشورى في ستة أحدهم جدك ، وقال : من خالف فاضربوا عنقه ، ولا بد من
قبول ذلك .
فأجابه علي بن موسى إلى ما التمس .
ثم جلس المأمون في يوم الخميس ، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون
في علي بن موسى ، وأنه ولاه عهده ، وسماه الرضا . وأمرهم بلبس الخضرة ، والعود لبيعته في
الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة .
فلما كان ذلك اليوم ركب الناس من القواد والقضاة وغيرهم من الناس في الخضرة ،
وجلس المأمون ووضع للرضا وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه . وأجلس الرضا
عليهما في الخضرة ، وعليه عمامة وسيف . ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس .
فرفع الرضا يده فتلقى بظهرها وجه نفسه وببطنها وجوههم .
فقال له المأمون : إبسط يدك للبيعة .
فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وآله هكذا كان يبايع ، فبايعه الناس ووضعت البدر ،
وقامت الخطباء والشعراء ، فجعلوا يذكرون فضل علي بن موسى وما كان من المأمون في أمره .
ثم دعا أبو عباد بالعباس بن المأمون ، فوثب ، فدنا من أبيه فقبل يد وأمره بالجلوس .
ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد ، فقال له الفضل بن سهل : قم . فقام ، فمشى حتى قرب
من المأمون ولم يقبل يده ، ثم مضى فأخذ جائزته وناداه المأمون : إرجع يا أبا جعفر إلى
مجلسك . فرجع .
ثم جعل أبو عباد يدعو بعلوي وعباسي فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال . ثم قال
المأمون للرضا : قم فاخطب الناس وتكلم فيهم .
فقال بعد حمد الله والثناء عليه :
إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله ، ولكم علينا حق به ، فإذا أديتم إلينا ذلك
وجب علينا الحق لكم .
ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس .
وأمر المأمون فضربت له الدراهم وطبع عليها اسمه .
وزوج إسحاق بن موسى بن جعفر بنت عمه إسحاق بن جعفر بن محمد ، وأمره أن يحتج
بالناس ، وخطب للرضا في كل بلد بولاية العهد .
فحدثني أحمد بن محمد بن سعيد ، قال : حدثنا يحيى بن الحسن ( العلوي ) قال : حدثني
من سمع عبد الجبار بن سعيد يخطب تلك السنة على منبر رسول الله بالمدينة فقال في الدعاء له :
اللهم وأصلح ولي عهد المسلمين ، علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين
ابن علي عليهم السلام :
ستة آباءهم ما هم * هم خير من يشرب صوب الغمام
حدثني الحسن بن الطبيب البلخي ، قال : حدثني محمد بن أبي عمر العدني ، قال : سمعت
عبد الجبار يخطب ، فذكر مثله .
رجع الحديث إلى نظام خبر علي بن موسى .
قام : وزوج المأمون ابنته أم الفضل محمد بن علي بن موسى على حلكة لونه وسواده ،
ونقلها إليه فلم تزل عنده .
واعتل الرضا علته التي مات فيها ، وكان قبل ذلك يذكر ابني سهل عند المأمون فيزري
عليهما ، وينهى المأمون عنهما ، ويذكر لها مساوئهما .
ورآه يوما يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال : يا أمير المؤمنين لا تشرك
بعبادة ربك أحدا .
فجعل المأمون يدخل إليه ، فلما ثقل تعالل المأمون وأظهر أنهما أكلا عنده جميعا طعاما
ضارا فمرضا ، ولم يزل الرضا عليلا حتى مات .
واختلف في أمر وفاته ، وكيف كان سبب السم الذي سقيه .
فذكر محمد بن علي بن حمزة أن منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد الله بن بشير أن المأمون
أمره أن يطول أظفاره ففعل ، ثم أخرج إليه شيئا يشبه التمر الهندي ، وقال له افركه واعجنه
بيديك جميعا ، ففعل .
ثم دخل على الرضا فقال له : ما خبرك ؟
قال : أرجو أن أكون صالحا .
فقال له : هل جاءك أحد من المترفقين اليوم ؟
قال : لا ، فغضب وصاح على غلمانه ، وقال له : فخذ ماء الرمان اليوم فإنه مما لا يستغني
عنه ، ثم دعا برمان فأعطاه عبد الله بن بشير وقال له : اعصر ماءه بيدك ، ففعل وسقاه المأمون
الرضا بيده فشربه ، فكان ذلك سبب وفاته ، ولم يلبث إلا يومين حتى مات .
قال محمد بن علي بن حمزة ، ويحيى فبلغني عن أبي الصلت الهروي ، أنه دخل على
الرضا بعد ذلك فقال له : يا أبا الصلت قد فعلوها " أي قد سقوني السم " ( وجعل يوحد الله
ويمجده ) .
قال محمد بن علي : وسمعت محمد بن الجهم يقول :
إن الرضا كان يعجبه العنب ، فأخذ له عنب وجعل في موضع اقماعه الابر ، فتركت أياما
فأكل منه في علته فقتله ، وذكر أن ذلك من لطيف السموم .
ولما توفي الرضا لم يظهر المأمون موته في وقته ، وتركه يوما وليلة ، ثم وجه إلى محمد
ابن جعفر بن محمد وجماعة من آل أبي طالب . فلما أحضرهم وأراهم إياه صحيح الجسد لا
أثر به ، ثم بكى وقال : عز علي يا أخي أن أراك في هذه الحالة ، وقد كنت أؤمل أن أقدم قبلك ،
فأبى الله إلا ما أراد . وأظهر جزعا شديدا وحزنا كثيرا .
وخرج مع جنازته يحملها حتى أتى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن ، فدفنه هناك إلى
جانب هارون الرشيد .
وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثيه ، هكذا أنشدنيها علي بن الحسين بن علي بن حمزة ،
عن عمه ، وذكر أنها لما شاعت غير أشجع ألفاظها فجعلها في الرشيد :
يا صاحب العيس يحدي في أزمتها * أسمع وأسمع غدا يا صاحب العيس
إقرأ السلام على قبر بطوس ولا * تقرأ السلام ولا النعمى على طوس
فقد أصاب قلوب المسلمين بها * روع وأفرخ فيها روع إبليس
وأخلست واحد الدنيا وسيدها * فأي مختلس منا ومخلوس
ولو بدا الموت حتى يستدير به * لاقى وجوه رجال دونه شوس
بؤسا لطوس فما كانت منازله * مما تخوفه الأيام بالبوس
معرس حيث لا تعريس ملتبس * يا طول ذلك من نأي وتعريس
إن المنايا أنالته مخالبها * ودونه عسكر جم الكراديس
أوفى عليه الردى في خيس أشبله * والموت يلقي أبا الأشبال في الخيس
ما زال مقتبسا من نور والده * إلى النبي ضياء غير مقبوس
في منبت نهضت فيه فروعهم * بباسق في بطاح الملك مغروس
والفرع لا يرتقي إلا على ثقة * من القواعد والدنيا بتأسيس
لا يوم أولى بتخريق الجيوب ولا * لطم الخدود ولا جدع المعاطيس
من يوم طوس الذي نادت بروعته * لنا النعاة وأفواه القراطيس
حقا بأن الرضا أودى الزمان به * ما يطلب الموت إلا كل منفوس
ذا اللحظتين وذا اليومين مفترش * رمسا كآخر في يومين مرموس
بمطلع الشمس وافته منيته * ما كان يوم الردى عنه بمحبوس
يا نازلا جدثا في غير منزله * ويا فريسة يوم غير مفروس
لبست ثوب البلى أعزز علي به * لبسا جديدا وثوبا غير ملبوس
صلى عليك الذي قد كنت تعبده * تحت الهواجر في تلك الأماليس
لولا مناقضة الدنيا محاسنها * لما تقايسها أهل المقاييس
أحلك الله دارا غير زائلة * في منزل برسول الله مأنوس
قال أبو الفرج :
هذه القصيدة ذكر محمد بن علي بن حمزة أنها في علي بن موسى الرضا .
قال أبو الفرج :
وأنشدني علي بن سليمان الأخفش لدعبل بن علي الخزاعي يذكر الرضا والسم الذي
سقيه ، ويرثي ابنا له ، وينعى على الخلفاء من بني العباس :
على الكره ما فارقت أحمد وانطوى * عليه بناء جندل ورزين
وأسكنته بيتا خسيسا متاعه * وإني على رغمي به لضنين
ولولا التأسي بالنبي وأهله * لأسبل من عيني عليه شؤون
هو النفس إلا أن آل محمد * لهم دون نفسي في الفؤاد كمين
أضر بهم إرث النبي فأصبحوا * يساهم فيه ميتة ومنون
دعتهم ذئاب من مية وانتحب * عليهم دراكا أزمة وسنون
وعاثت بنو العباس في الدين عيثة * تحكم فيه ظالم وظنين
وسموا رشيدا ليس فيهم لرشده * وها ذاك مأمون وذاك أمين
فما قبلت بالرشد منهم رعاية * ولا لولي بالأمانة دين
رشيدهم غاو وطفلاه بعده * لهذا رزايا دون ذاك مجون
ألا أيها القبر الغريب محله * بطوس عليه الساريات هتون
شككت فما أدري أمسقى بشربة * فأبكيك أم ريب الردى فيهون ؟
وأيهما ما قلت إن قلت شربة * وإن قلت موت إنه لقمين
أيا عجبا منهم يسمونك الرضا * ويلقاك منهم كلحة وغضون
أتعجب للأجلاف أن يتخيفوا * معالم دين الله وهو مبين
لقد سبقت فيهم بفضلك آية * لدي ولكن ما هناك يقين
هذا آخر خبر علي بن موسى الرضا .
أخبرنا أبو الفرج قال : حدثنا الحسن بن علي الخفاف ، قال : حدثنا أبو الصلت الهروي ،
قال :
دخل المأمون إلى الرضا يعوده فوجده يجود بنفسه فبكى وقال : أعزز علي يا أخي بأن
أعيش ليومك ، وقد كان في بقائك أمل ، واغلظ علي من ذلك وأشد أن الناس يقولون : إني
سقيتك سما ، وأنا إلى الله من ذلك برئ .
إلى أن قال :
ثم خرج المأمون من عنده ، ومات الرضا ، فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره وأمر أن
يحفر إلى جانب أبيه ، ثم أقبل علينا فقال : حدثني صاحب هذا النعش أنه يحفر له قبر فيظهر فيه
ماء وسمك ، احفروا . فحفروا ، فلما انتهوا إلى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك ، ثم غاض الماء ،
فدفن فيه الرضا عليه السلام .