قول الحسين عليه السلام
حين نزل كربلاء : صدق رسول الله أرض كرب وبلاء
رواه جماعة من أعلام العامد في كتبهم :
فمنهم الفاضلان الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد المدنيان في القسم
الثاني من " جامع الأحاديث " ( ج 6 ص 431 ط دمشق ) قالا :
عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : لما أحيط بالحسين بن علي رضي الله عنهما
قال : ما اسم الأرض ؟ قيل : كربلاء . فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أرض كرب وبلاء 1 ) ( طب ) .
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر محمد رضا أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول سابقا في كتابه
" الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( ص 130 ط دار الكتب العلمية -
بيروت ) قال :
دفن الحسين رضي الله عنه بكربلاء في طرف البرية عند الكوفة واشتقاقه من الكربلة
رخاوة في القدمين ، يقال : جاء يمشي مكربلا أي كأنه يمشي في طين ، فيجوز على هذا أن
تكون أرض هذه الموضع رخوة فسميت بذلك . ويقال كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها ،
فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى والدغل فسميت بذلك . والكربل :
اسم نبت الحماض .
وقد روي أن الحسين رضي الله عنه لما انتهى إلى هذه الأرض قال لبعض أصحابه : ما
تسمى هذه القرية ؟ وأشار إلى العقر . فقالوا له ، فقال الحسين : نعوذ بالله من
العقر ( من عقر الفرس والناقة وغيرهما ، حصد قوائمها بالسيف ) ثم قال : فما اسم هذه
الأرض التي نحن فيها ؟ قالوا : كربلاء فقال : " أرض كرب وبلاء " وأراد الخروج منها فمنع .
وقال الفاضل المعاصر الدكتور محمد جميل غازي في " استشهاد الحسين عليه السلام " ( ص 134 خرجه من كتاب الحافظ ابن كثير ط مطبعة المدني - المؤسسة السعودية بمصر ) :
وأما قبر الحسين رضي الله عنه ، فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي
بمكان من الطف عند نهر كربلاء ، فيقال : إن ذلك المشهد مبني على قبره . فالله أعلم .
وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفى أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر ،
وقد كان أبو نعيم ، الفضل بين دكين ، ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين .
وذكر هشام بن الكلبي أن الماء أجري على قبر الحسين ليمحى أثره ، نضب الماء بعد
أربعين يوما . فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر
الحسين فبكى ، وقال بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ! ! ثم أنشأ يقول :
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه * فطيب تراب القبر دل على القبر
وقال العلامة شمس الدين أبو البركات محمد الباعوني الشافعي في كتاب " جواهر
المطالب في مناقب الإمام أبي الحسنين علي بن أبي طالب " ( ص 14 ( والنسخة مصورة من
المكتبة الرضوية بخراسان ) :
وأما قبره عليه السلام فقد اشتهر عند المؤرخين بالطف من كربلاء وذكر ابن جرير الطبري
إن موضع قبره عفي أثره .
وقال الفاضل المعاصر الدكتور عبد الرحمن سالم - في " التاريخ السياسي للمعتزلة "
( ص 313 ط دار الثقافة في القاهرة ) :
ففي عام 236 أمر المتوكل " بهدم قبر الحسين رضي الله عنه وهدم ما حوله من الدور
وأن يعمل مزارع ، ومنع الناس من زيارته وحرث وبقي صحراء " .
إن ما يثير التساؤل هنا أن المتوكل لم يلق بالا إلى ما كان متوقعا من ردود الفعل السيئة لدى
جماهير المسلمين على اختلاف مذاهبهم إزاء هذا التصرف ، فالحسين ليس شخصا عزيزا
على الشيعة وحدهم ، ولكنه عزيز على المسلمين جميعا ، وقد تألم المسلمون حقا لهذا السلوك
وأنكروا على المتوكل " وكتب أهل بغداد شتمة على الحيطان والمساجد " وقال أحد الشعراء
يعبر عن استنكاره :
بالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما
لقد كان أحجى بالمتوكل - في ضوء التفسير السياسي لموقفه من المعتزلة - ألا يقدم على
هذا العمل الخطير وهو هدم قبر الحسين ، وأن يحاول التشبث بمشاعر الود والتعاطف التي نعم
بها من الجماهير العريضة من المسلمين بعد أن أعاد إلى السنة مكانتها ورد إلى أهلها اعتبارهم ،
فهل من الممكن التماس عذر سياسي للمتوكل في تصرفه هذا ؟
إن ما يبدوا أقرب إلى التصور أن السياسة أيضا كانت وراء هدم المتوكل قبر الحسين . لقد
رأى المتوكل أن مشهد الحسين أصبح تجمعا خطيرا لجماهير المسلمين ، ومهوى أفئدة
المحبين من كل مكان ، وأدرك المتوكل بميزانه السياسي أنه إن لم يضع حدا لذلك - ولو
بالعنف - فقد تتطور الأمور ليصبح قبر الحسين وقبور العلويين مراكز ثورة قد تهب أعاصيرها
في أي وقت لتطيح بعرشه ، فأراد المتوكل أن يحسم الداء قبل استفحاله رغم إدراكه أن ذلك
سيعرضه لموجة عنيفة من النقد والاستنكار ، ولكنه رأى أن موجة النقد أخف من أعاصير الثورة
التي قد تنفجر من جراء هذه التجمعات الخطيرة التي تحتشد عند قبر الحسين والعلويين .
ويعرض أبو المحاسن ما قد يستأنس به من التدليل على هذا الرأي إذ يذكر أن المتوكل كان كلفا
بمغنية له تسمى ( أم الفضل ) وأنه طلبها ذات يوم فلم يجدها ، فلما حضرت بعد أيام سألها أين
كانت ، فذكرت أنها كانت تحج إلى مشهد علي ، فاستنكر أن يكون مشهد علي محجا
للمسلمين ، وأصدر أمره بمنع الناس من زيارة مشهد علي أو غيره من العلويين ، ثم تطورت
الأحداث إلى الحد الذي جعل المتوكل يصدر أمره بهدم قبر الحسين وما حوله . والدلالة
الظاهرة التي تشير إليها هذه الرواية أن المتوكل أمر بمنع زيارة قبر علي ثم بهدم قبر الحسين لئلا
يخلط الناس بين الحج لبيت الله والحج لقبور العلويين ، ولكن الدلالة الخفية وراء هذه الرواية
أن المتوكل خشي أن يمثل هذا التجمع تهديدا لسلطانه وإحياء لرغبة العلويين في تولي أمر
المسلمين .
فخلاصة التفسير السياسي لموقف المتوكل من المعتزلة أنه أراد أيثبت دعائم ملكه
بتأييد الجمهور الأعظم من المسلمين . ولا يعترض على هذا التفسير بهدم المتوكل لقبر
الحسين . لأن هذا التصرف يدور في نطاق هذا التفسير أيضا ، وهو تثبيت دعائم ملكه بالقضاء
على مصدر تجمع قد يصح أن يكون مغرسا لثورة خطيرة ضده أو ضد خلفائه في مستقبل
الأيام .
إلى أن قال :
ويؤيد " باتون " رأيه بموقف المتوكل من العلويين وهدمه قبر الحسين ، ذلك أن المتوكل
من وجهة - نظر باتون - لو كان حريصا على تملق مشاعر الجماهير ليظفر بتأييدها لما أقدم على
هدم قبر الحسين ، لأنه كان يعرف أن هذا العمل سيهيج مشاعر المسلمين ، فهدمه قبر الحسين
واضطهاده العلويين يعكس إيمانه بآراء دينية معينة وتعصبه لها ، ويعكس في نفس الوقت
حرصه ألا يتنازل عن هذه الآراء ولو ترتب على ذلك انقضاض الجماهير من حوله .
ثم قال :
الحق أنه من غير الممكن قبول تفسير " باتون " وهو التفسير الديني إلا إذا توفرت أدلة
أقوى تؤيده ، وإن شخصية المتوكل ذاتها لا تسمح بالتسليم بهذا الرأي ، وقد كان موقفه من
العلويين لا يتسم بالتعقل ولا بالحرص على السنة ، لأن الحرص على السنة لا يسمح له ببغض
علي بن أبي طالب ولا باضطهاد ذريته ، كما أن القسوة المتطرفة التي كان يتسم بها المتوكل
أحيانا تمثل مغمزا خطيرا في شخصيته يجعل الحكم عليه بأنه كان يصدر في تصرفاته عن
حرص على السنة قابلا للمراجعة . ولعل الطريقة التي قتل بها محمد بن عبد الملك الزيات
تقدم مثالا لهذه القسوة .
وعلى هذا فإن موقف المتوكل من العلويين وهدمه قبر الحسين لا يصح أن يكون دليلا
على وجهة نظر " باتون " ، ذلك أن هذا العمل من المتوكل - كما تقدم - كان يهدف منه إلى
القضاء على بؤرة الثورة ضده لدليل أنه " أمر ألا يتوجه أحد لزيارة قبر من قبور العلويين " قبل
أن يهدم قبر الحسين .
وقال الفاضل الأمير أحمد حسين بهادرخان الحنفي البريانوي الهندي في كتابه " تاريخ
الأحمدي " ( ص 352 ط بيروت - سنة 1408 ) :
وفي الكامل قال : وفي سنة ست وثلاثين ومائتين أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي
عليه السلام وهدم ما حوله من المنازل والدور ، وأن يبذر موضع قبره ، وأن يمنع الناس من
إتيانه ، فنادى بالناس في تلك الناحية : من وجدناه عند قبره حبسناه ، فهرب الناس وتركوا
زيارته .
وقال الفاضل المعاصر أحمد حسن الباقوري المصري في " علي إمام الأئمة " ( ص 149
ط دار مصر للطباعة ) :
وثانية البليتين مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة
إحدى وستين من الهجرة . ولو أن أمر البلية بمقتله وقف عند القتل وحده لقال الناس رجل
خرج يثأر لأبيه وأخيه فقتله أهل البغي والإجرام ، فكانت المصيبة بذلك أدنى إلى العزاء عنها
والتجمل فيها ، ولكن الذي يضاعف من وقعها على النفوس ويساير نكرها في التاريخ ما
تتخاشع به أبصار وتتخاضع له أعناق ، وهو أن يفقد قاتلوه شرف المروءة وكرم الدين فينبشوا
قبره . . وقد كان من أخلاق الأشراف ألا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح .
لقد فعل بنو العباس ذلك حتى قال شاعر عربي :
تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيه مظلوما
فلقد أتى ابن بني أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما
أسفوا على ألا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما
ثم لو أن قتل الحسن بالسم والحسين بالسيف لم يكن خالطه هذا الصغار من محاربة
القتلى في قبورهم ، وقتل الذين لا حول لهم ولا حيلة من أصحاب الحسين ، لكان لذلك
التصرف وجه يحتمل الحديث . ولكن فقدان المروءة وهو أن الدين جعلهم يحاربون
الحسن ميتا وينبشون قبر الحسين دفينا ، ثم يجمعون إلى هاتين الرذيلتين رذيلة ثالثة تأباها
العروبة ويرفضها الاسلام ، وهي أن يقتل غير المقاتلة من نساء ورجال . فقد روى الثقات عن
الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين أنه كان دائم الحزن شديد البكاء ، وذات يوم قال
له قائل : إنك شديد الحزن كثير البكاء فهلا هونت على نفسك ؟ فقال رضي الله عنه : إن
يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف . ولم يكن علم أنه قد مات . ولقد
رأيت أنا بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة يوم واحة . أفترى حزنهم يذهب من
قلبي ؟
هذا بعض ما يتعلق بالذين استشهدوا من آل البيت النبوي الشريف . وأما ما يتعلق بالذين
اختفوا في البيوت أو شردوا في الآفاق خشية ظلم بني العباس ، فإليك ما يشير إلى ذلك دون
استيعاب أو أطناب . .
وقال أيضا في ص 154 :
وإليك بعض ما قاله ابن الرومي في صدد نبش قبر الحسين على صورة يحتقرها ذو المروءة
ويغضب لها صاحب الدين . وقد روى هذا الشعر الأستاذ السيد أحمد صقر محقق كتاب
مقاتل الطالبيين :
أمامك فانظر أي نهجيك تنهج * طريقان شتى : مستقيم وأعوج
أكل أوان للنبي محمد * قتيل زكي بالدماء مضرج
تبيعون فيه الدين شر أئمة * فلله دين الله قد كان يمرج
أكلكمو أمسى اطمأن مهاده * بأن رسول الله في القبر مزعج
نظار فإن الله طالب وتره * ليالي لا ينفك منكم متوج
وإني على الاسلام بعد لخائف * بوائق شتى بابها الآن مرتج