تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
قول الحسين عليه السلام حين نزل كربلاء : صدق رسول الله أرض كرب وبلاء رواه جماعة من أعلام العامد في كتبهم : فمنهم الفاضلان الشريف عباس أحمد صقر وأحمد عبد الجواد المدنيان في القسم الثاني من " جامع الأحاديث " ( ج 6 ص 431 ط دمشق ) قالا : عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال : لما أحيط بالحسين بن علي رضي الله عنهما قال : ما اسم الأرض ؟ قيل : كربلاء . فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أرض كرب وبلاء 1 ) ( طب ) .
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر محمد رضا أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول سابقا في كتابه " الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( ص 130 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) قال : دفن الحسين رضي الله عنه بكربلاء في طرف البرية عند الكوفة واشتقاقه من الكربلة رخاوة في القدمين ، يقال : جاء يمشي مكربلا أي كأنه يمشي في طين ، فيجوز على هذا أن تكون أرض هذه الموضع رخوة فسميت بذلك . ويقال كربلت الحنطة إذا هززتها ونقيتها ، فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى والدغل فسميت بذلك . والكربل : اسم نبت الحماض . وقد روي أن الحسين رضي الله عنه لما انتهى إلى هذه الأرض قال لبعض أصحابه : ما تسمى هذه القرية ؟ وأشار إلى العقر . فقالوا له ، فقال الحسين : نعوذ بالله من العقر ( من عقر الفرس والناقة وغيرهما ، حصد قوائمها بالسيف ) ثم قال : فما اسم هذه الأرض التي نحن فيها ؟ قالوا : كربلاء فقال : " أرض كرب وبلاء " وأراد الخروج منها فمنع . وقال الفاضل المعاصر الدكتور محمد جميل غازي في " استشهاد الحسين عليه السلام " ( ص 134 خرجه من كتاب الحافظ ابن كثير ط مطبعة المدني - المؤسسة السعودية بمصر ) : وأما قبر الحسين رضي الله عنه ، فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد علي بمكان من الطف عند نهر كربلاء ، فيقال : إن ذلك المشهد مبني على قبره . فالله أعلم . وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفى أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر ، وقد كان أبو نعيم ، الفضل بين دكين ، ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين . وذكر هشام بن الكلبي أن الماء أجري على قبر الحسين ليمحى أثره ، نضب الماء بعد أربعين يوما . فجاء أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى ، وقال بأبي أنت وأمي ما كان أطيبك وأطيب تربتك ! ! ثم أنشأ يقول : أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه * فطيب تراب القبر دل على القبر وقال العلامة شمس الدين أبو البركات محمد الباعوني الشافعي في كتاب " جواهر المطالب في مناقب الإمام أبي الحسنين علي بن أبي طالب " ( ص 14 ( والنسخة مصورة من المكتبة الرضوية بخراسان ) : وأما قبره عليه السلام فقد اشتهر عند المؤرخين بالطف من كربلاء وذكر ابن جرير الطبري إن موضع قبره عفي أثره . وقال الفاضل المعاصر الدكتور عبد الرحمن سالم - في " التاريخ السياسي للمعتزلة " ( ص 313 ط دار الثقافة في القاهرة ) : ففي عام 236 أمر المتوكل " بهدم قبر الحسين رضي الله عنه وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع ، ومنع الناس من زيارته وحرث وبقي صحراء " . إن ما يثير التساؤل هنا أن المتوكل لم يلق بالا إلى ما كان متوقعا من ردود الفعل السيئة لدى جماهير المسلمين على اختلاف مذاهبهم إزاء هذا التصرف ، فالحسين ليس شخصا عزيزا على الشيعة وحدهم ، ولكنه عزيز على المسلمين جميعا ، وقد تألم المسلمون حقا لهذا السلوك وأنكروا على المتوكل " وكتب أهل بغداد شتمة على الحيطان والمساجد " وقال أحد الشعراء يعبر عن استنكاره : بالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على ألا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما لقد كان أحجى بالمتوكل - في ضوء التفسير السياسي لموقفه من المعتزلة - ألا يقدم على هذا العمل الخطير وهو هدم قبر الحسين ، وأن يحاول التشبث بمشاعر الود والتعاطف التي نعم بها من الجماهير العريضة من المسلمين بعد أن أعاد إلى السنة مكانتها ورد إلى أهلها اعتبارهم ، فهل من الممكن التماس عذر سياسي للمتوكل في تصرفه هذا ؟ إن ما يبدوا أقرب إلى التصور أن السياسة أيضا كانت وراء هدم المتوكل قبر الحسين . لقد رأى المتوكل أن مشهد الحسين أصبح تجمعا خطيرا لجماهير المسلمين ، ومهوى أفئدة المحبين من كل مكان ، وأدرك المتوكل بميزانه السياسي أنه إن لم يضع حدا لذلك - ولو بالعنف - فقد تتطور الأمور ليصبح قبر الحسين وقبور العلويين مراكز ثورة قد تهب أعاصيرها في أي وقت لتطيح بعرشه ، فأراد المتوكل أن يحسم الداء قبل استفحاله رغم إدراكه أن ذلك سيعرضه لموجة عنيفة من النقد والاستنكار ، ولكنه رأى أن موجة النقد أخف من أعاصير الثورة التي قد تنفجر من جراء هذه التجمعات الخطيرة التي تحتشد عند قبر الحسين والعلويين . ويعرض أبو المحاسن ما قد يستأنس به من التدليل على هذا الرأي إذ يذكر أن المتوكل كان كلفا بمغنية له تسمى ( أم الفضل ) وأنه طلبها ذات يوم فلم يجدها ، فلما حضرت بعد أيام سألها أين كانت ، فذكرت أنها كانت تحج إلى مشهد علي ، فاستنكر أن يكون مشهد علي محجا للمسلمين ، وأصدر أمره بمنع الناس من زيارة مشهد علي أو غيره من العلويين ، ثم تطورت الأحداث إلى الحد الذي جعل المتوكل يصدر أمره بهدم قبر الحسين وما حوله . والدلالة الظاهرة التي تشير إليها هذه الرواية أن المتوكل أمر بمنع زيارة قبر علي ثم بهدم قبر الحسين لئلا يخلط الناس بين الحج لبيت الله والحج لقبور العلويين ، ولكن الدلالة الخفية وراء هذه الرواية أن المتوكل خشي أن يمثل هذا التجمع تهديدا لسلطانه وإحياء لرغبة العلويين في تولي أمر المسلمين . فخلاصة التفسير السياسي لموقف المتوكل من المعتزلة أنه أراد أيثبت دعائم ملكه بتأييد الجمهور الأعظم من المسلمين . ولا يعترض على هذا التفسير بهدم المتوكل لقبر الحسين . لأن هذا التصرف يدور في نطاق هذا التفسير أيضا ، وهو تثبيت دعائم ملكه بالقضاء على مصدر تجمع قد يصح أن يكون مغرسا لثورة خطيرة ضده أو ضد خلفائه في مستقبل الأيام . إلى أن قال : ويؤيد " باتون " رأيه بموقف المتوكل من العلويين وهدمه قبر الحسين ، ذلك أن المتوكل من وجهة - نظر باتون - لو كان حريصا على تملق مشاعر الجماهير ليظفر بتأييدها لما أقدم على هدم قبر الحسين ، لأنه كان يعرف أن هذا العمل سيهيج مشاعر المسلمين ، فهدمه قبر الحسين واضطهاده العلويين يعكس إيمانه بآراء دينية معينة وتعصبه لها ، ويعكس في نفس الوقت حرصه ألا يتنازل عن هذه الآراء ولو ترتب على ذلك انقضاض الجماهير من حوله . ثم قال : الحق أنه من غير الممكن قبول تفسير " باتون " وهو التفسير الديني إلا إذا توفرت أدلة أقوى تؤيده ، وإن شخصية المتوكل ذاتها لا تسمح بالتسليم بهذا الرأي ، وقد كان موقفه من العلويين لا يتسم بالتعقل ولا بالحرص على السنة ، لأن الحرص على السنة لا يسمح له ببغض علي بن أبي طالب ولا باضطهاد ذريته ، كما أن القسوة المتطرفة التي كان يتسم بها المتوكل أحيانا تمثل مغمزا خطيرا في شخصيته يجعل الحكم عليه بأنه كان يصدر في تصرفاته عن حرص على السنة قابلا للمراجعة . ولعل الطريقة التي قتل بها محمد بن عبد الملك الزيات تقدم مثالا لهذه القسوة . وعلى هذا فإن موقف المتوكل من العلويين وهدمه قبر الحسين لا يصح أن يكون دليلا على وجهة نظر " باتون " ، ذلك أن هذا العمل من المتوكل - كما تقدم - كان يهدف منه إلى القضاء على بؤرة الثورة ضده لدليل أنه " أمر ألا يتوجه أحد لزيارة قبر من قبور العلويين " قبل أن يهدم قبر الحسين . وقال الفاضل الأمير أحمد حسين بهادرخان الحنفي البريانوي الهندي في كتابه " تاريخ الأحمدي " ( ص 352 ط بيروت - سنة 1408 ) : وفي الكامل قال : وفي سنة ست وثلاثين ومائتين أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي عليه السلام وهدم ما حوله من المنازل والدور ، وأن يبذر موضع قبره ، وأن يمنع الناس من إتيانه ، فنادى بالناس في تلك الناحية : من وجدناه عند قبره حبسناه ، فهرب الناس وتركوا زيارته . وقال الفاضل المعاصر أحمد حسن الباقوري المصري في " علي إمام الأئمة " ( ص 149 ط دار مصر للطباعة ) : وثانية البليتين مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين من الهجرة . ولو أن أمر البلية بمقتله وقف عند القتل وحده لقال الناس رجل خرج يثأر لأبيه وأخيه فقتله أهل البغي والإجرام ، فكانت المصيبة بذلك أدنى إلى العزاء عنها والتجمل فيها ، ولكن الذي يضاعف من وقعها على النفوس ويساير نكرها في التاريخ ما تتخاشع به أبصار وتتخاضع له أعناق ، وهو أن يفقد قاتلوه شرف المروءة وكرم الدين فينبشوا قبره . . وقد كان من أخلاق الأشراف ألا يتبعوا مدبرا ولا يجهزوا على جريح . لقد فعل بنو العباس ذلك حتى قال شاعر عربي : تالله إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيه مظلوما فلقد أتى ابن بني أبيه بمثله * هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على ألا يكونوا شاركوا * في قتله فتتبعوه رميما ثم لو أن قتل الحسن بالسم والحسين بالسيف لم يكن خالطه هذا الصغار من محاربة القتلى في قبورهم ، وقتل الذين لا حول لهم ولا حيلة من أصحاب الحسين ، لكان لذلك التصرف وجه يحتمل الحديث . ولكن فقدان المروءة وهو أن الدين جعلهم يحاربون الحسن ميتا وينبشون قبر الحسين دفينا ، ثم يجمعون إلى هاتين الرذيلتين رذيلة ثالثة تأباها العروبة ويرفضها الاسلام ، وهي أن يقتل غير المقاتلة من نساء ورجال . فقد روى الثقات عن الإمام علي زين العابدين ابن الإمام الحسين أنه كان دائم الحزن شديد البكاء ، وذات يوم قال له قائل : إنك شديد الحزن كثير البكاء فهلا هونت على نفسك ؟ فقال رضي الله عنه : إن يعقوب عليه السلام بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف . ولم يكن علم أنه قد مات . ولقد رأيت أنا بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة يوم واحة . أفترى حزنهم يذهب من قلبي ؟ هذا بعض ما يتعلق بالذين استشهدوا من آل البيت النبوي الشريف . وأما ما يتعلق بالذين اختفوا في البيوت أو شردوا في الآفاق خشية ظلم بني العباس ، فإليك ما يشير إلى ذلك دون استيعاب أو أطناب . . وقال أيضا في ص 154 : وإليك بعض ما قاله ابن الرومي في صدد نبش قبر الحسين على صورة يحتقرها ذو المروءة ويغضب لها صاحب الدين . وقد روى هذا الشعر الأستاذ السيد أحمد صقر محقق كتاب مقاتل الطالبيين : أمامك فانظر أي نهجيك تنهج * طريقان شتى : مستقيم وأعوج أكل أوان للنبي محمد * قتيل زكي بالدماء مضرج تبيعون فيه الدين شر أئمة * فلله دين الله قد كان يمرج أكلكمو أمسى اطمأن مهاده * بأن رسول الله في القبر مزعج نظار فإن الله طالب وتره * ليالي لا ينفك منكم متوج وإني على الاسلام بعد لخائف * بوائق شتى بابها الآن مرتج