أخبرني جبريل أن هذا يقتل بأرض العراق - للحسين ، فقلت لجبريل : أرني تربة
الأرض يقتل بها ، فهذه تربتها ( طب ) 1 ) .
هامش
( 1 ) قال العلامة الشريف السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني الموسوي
الشافعي الشهرزوري المدني المتوفى بها سنة 1103 في كتابه " الإشاعة لأشراط الساعة "
( ص 24 ط دار الكتب العلمية في بيروت ) قال :
وجاء من طرق صحح الحاكم بعضها : أن جبريل - وفي رواية ملك القطر - جاء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فأخبره أن الحسين مقتول ، وأراه من تربة الأرض التي يقتل فيها ، فأعطاها
لأم سلمة وأخبرها أن يوم قتله يتحول دما ، فكان كذلك . وشم صلى الله عليه وسلم ذلك
فقال : ريح كرب وبلاء ، وسببه أنه لما مات الحسن أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام
وجاء حاجا فأراد أن يأخذها من أهل الحجاز من المهاجرين والأنصار ، فامتنعوا وقالوا : إن
كان لك رغبة فيها فهي لك ، وإن سئمتها فردها على المسلمين . فلما مات معاوية وبويع ليزيد
بالشام وغيرها ، أرسل يزيد لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين ، فهرب الحسين
إلى مكة خوفا عن نفسه ، فأرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه ، فنهاه ابن عباس وذكر له
غدرهم وقتلهم لأبيه وخذلانهم لأخيه وأمره أن لا يذهب بأهله ، فأبى فبكى ابن عباس وقال :
وا حسيناه . وقال له ابن عمر نحو ذلك فأبى ، فقبل بين عينيه وقال : استودعتك الله من قتيل .
وكذلك نهاه ابن الزبير ، بل لم يبق بمكة أحد إلا حزن لمسيره .
ولما بلغ أخاه محمد بن الحنفية بكى حتى ملأ طستا بين يديه ، وقدم أمامه مسلم بن عقيل
فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفا أو أكثر ، وأرسل إليه يزيد ابن زياد وحرضه على قتله ،
وأخذوا مسلم بن عقيل فقتلوه ، وتفرق المبايعون .
وسار الحسين غير عالم بذلك ، فلقى الفرزدق فسأله فقال : قلوب الناس معك وسيوفهم
مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء
ولما قرب من القادسية تلقاه من أخبره الخبر وأمره بالرجوع ، فقالت إخوة مسلم بن
عقيل : والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا أو نقتل . فقال : لا خير في الحياة بعدكم . ثم سار فلقيه
أوائل خيل ابن زياد ، فعدل إلى كربلاء ، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل ، فلما وصلوا
إليه طلبوا منه النزول على حكم ابن زياد والمبايعة ليزيد ، فقال : دعوني أذهب إلى يزيد . فأبى
ابن زياد إلا النزول على حكمه ، فقال : والله لا نزلت على حكمه أبدا . فقاتلوه وكان أكثر
مقاتليه المكاتبين له والمبايعين له ، فلعنة الله على قاتليه مرة وعلى خاذليه مائة مرة حيث جعلوا
آل بيت رسول الله فداء لأنفسهم ، قاتلهم الله ما أغدرهم وأخذلهم ، ومن ثم قال لهم أمير
المؤمنين علي كرم الله وجهه : والله لو قدرت لبعتكم بأهل الشام صرف الدراهم بالدنانير كل
عشرة منكم بواحد منهم .
فحارب عليه السلام ذلك العدد الكثير ، ومعه من أهله نيف وثمانون ، فشبت في ذلك
الموقف ثباتا باهرا ، ولولا أنهم حالوا بينه وبين الماء ما قدروا عليه .
فلما بلغ القتلى من أهله خمسين نادى : أما ذاب عن حريم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فخرج يزيد بن الحرث رجاء شفاعة جده صلى الله عليه وسلم ، فقاتل بين يديه حتى
قتل . ثم ثبت في أصحابه وبقي بمفرده ، فحمل عليهم حملة حمزة وأبيه علي ، وقتل كثيرا من
شجعانهم ، فكثروا عليه حتى حالوا بينه وبين حريمه ، فصاح عليه السلام : كفوا سفهاءكم عن
النساء والأطفال فكفوا ، ثم لم يزل يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح ، لأنه طعن إحدى وثلاثين
طعنه ، وضرب أربعا وثلاثين ضربة ، ومع ذلك غلى عليه العطش ، فسقط إلى الأرض وحزوا
رأسه الشريف يوم الجمعة عاشر محرم عام إحدى وستين . ولما وضعه قاتله بين يدي اللعين
ابن زياد أنشد متبجحا :
أوقر ركابي فضة وذهبا * إني قتلت ملكا محجبا
قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فأمر بضرب نقه وقال : إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته . والطاهر أنه ما قتله إلا لأنه مدحه لا
لأنه قتله ، ويدل لذلك أنه جعل الرأس الشريف في طست وجعل يضرب ثناياه الشريفة
بقضيب ويدخله أنفه ويتعجب من حسن ثغره ، فبكى أنس رضي الله عنه وقال : كان أشبههم
برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال زيد بن أرقم : أرفع قضيبك فوالله لطالما رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقبل ما بين الشفتين ، وبكى فأغلظ عليه اللعين ابن زياد وهدده بالقتل ،
فقال : لأحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذا ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعد حسنا
على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى ، ثم وضع يده الكريمة على يافوخهما ، ثم
قال : اللهم إني استودعك إياهما وصالح المؤمنين . فكيف كانت وديعة النبي عندك يا ابن
زياد .
وقد انتقم الله منه ، فقد روى الترمذي بسند صحيح إن رأس ابن زياد لما قتل وضع موضع
رأس الحسين ، وإذا حية عظيمة قد جاءت ، فتفرق الناس عنها ، فتخللت الرأس حتى جاءت
ابن زياد فجعلت تدخل في فمه وتخرج من منخريه وتخل من منخريه وتخرج من فمه ،
فعلت ذلك مرتين أو ثلاثا .
ولما دخل قصر الإمارة بالكوفة أمر برأس فوضع على ترس عن يمينه والناس سماطان ،
ثم أنزل وجهزه مع رؤوس أصحابه وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال موثقين في الحبال
والنساء مكشفات الوجوه والرؤس إلى يزيد لعنه الله ، ولما نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس
أول منزل جعلوا يشربون على الرأس ، فخرجت عليهم يد من الحائط فكتبت سطرا بدم :
أترجوا أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب
فهربوا وتركوا الرأس ، ثم عادوا وأخذوه ، ولما قدموا به على يزيد أقام الحريم على درج
الجامع حيث تقام الأسارى والسبي .
ومما ظهر يوم قتله إن السماء أمطرت دما ، وإن أوانيهم ملئت دما ، وانكشفت الشمس
ورؤيت النجوم ، واشتد الظلام حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت وإن الكواكب ضربت
بعضها بعضا ، وإنه لم يرفع حجر إلا رؤي تحته دم عبيط ، وإن الورس انقلب دما ، وإن الدنيا
أظلمت ثلاثة أيام .
وقتل معه من إخوته وبنيه وبني أخيه الحسن ومن أولاد جعفر وعقيل تسعة عشر رجلا ،
قال الحسن البصري : وما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه ، وأنشدوا :
أعين بكى بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول
سبعة منهم لصلب علي * قد أبيدوا وتسعة لعقيل
قال المولوي علي بن سلطان محمد القاري في " شرح الشفاء للقاضي عياض " ج 3
ص 191 المطبوع بهامش " نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض " ( ط دار الفكر
بيروت ) قال :
( وأخبر بقتل الحسين ) أي ابن علي رضي الله عنهما ( بالطف ) بفتح الطاء وتشديد الفاء
مكان بناحية الكوفة على شط نهر الفرات واشتهر الآن بكربلاء كأنه مركب من الكرب والبلاء
وحذفت الباء الأولى تخفيفا والاكتفاء بحسب الايماء ، واستشهد وهو ابن خمس وخمسين
سنة ووجد به ثلاث وثلاثون طعنة وثلاث وثلاثون ضربة ، وكان جميع من حضر معه من أهل
بيته وشيعته سبعة وثمانين منهم علي بن الحسين الأكبر وكان يرتجز ويقول :
أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي
تالله لا يحكم فيها ابن الدعي
وقتل من ولد أخيه عبد الله بن الحسن والقاسم بن الحسن ، ومن إخوته العباس بن علي
وعبيد الله بن علي وجعفر بن علي وعثمان بن علي ومحمد بن علي وهو أصغرهم ، ومن ولد
جعفر بن أبي طالب محمد بن عبد الله بن جعفر وعون بن عبد الله بن جعفر ، ومن ولد عقيل بن
أبي طالب : عبد الله بن عقيل وعب الرحمن بن عقيل وجعفر بن عقيل ، وقتل معه من الأنصار
أربعة والباقي من سائر العرب ودفنوا بعد قتلهم بيوم .
وذكر أبو الربيع بن سبع في مناقب الحسين عن يعقوب بن سفيان قال : كنت في ضيعتي
فصلينا العتمة ثم جلسنا في البيت ونحن جماعة ، فذكروا الحسين بن علي فقال رجل : ما من
أحد أعان على قتل الحسين إلا أصابه عذاب قبل أن يموت ، وكان في البيت شيخ كبير فقال : أنا
ممن شهدها وما أصابني أمر أكرهه إلى ساعتي هذه . فطفئ السراج فقام لإصلاحه فغارت
النار فأخذته فجعل يبادر نفسه إلى الفرات ينغمس فيه فأخذته النار حتى مات .
قلت : بل جمع له بين الاحراق والاغراق .
( وأخرج بيده تربة ) أي قبضة من التراب ( وقال فيها مضجعه ) بفتح الميم والجيم
ويكسر أي مقتله أو مدفنه ، ورواه البيهقي من طرق ولفظ حديثه عن عائشة : إن جبريل كان عند
النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حسين فقال جبريل من هذا فقال ابني فقال ستقتله أمتك وإن
شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها ، فأشار بيده إلى الطف من العراق فأخذ تربة حمراء
فأراه إياها .
وقال العلامة شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري في " نسيم الرياض في شرح شفاء
القاضي عياض " ( ج 3 ص 191 دار الفكر - بيروت ) قال :
( وأخبر ) صلى الله تعالى عليه وسلم فيما رواه البيهقي من طرق ( بقتل الحسين ) ابن علي
بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما ( بالطف ) بفتح الطاء المشددة المهملة وتشديد الفاء وهو
مكان بناحية الكوفة ( وأخرج ) صلى الله تعالى عليه وسلم ( بيده تربة ) أي مقدار ملء كف
من تراب أراه لبعض أصحابه وأهل بيته ( وقال ) إذا أخرجها ( فيها ) أي في أرض هذا التراب
منها وفيها يموت ويقتل ( مضجعه ) أي مصرعه إذ يقتل وجيمه مفتوحة وتكسر والأول أقيس
وأفصح ، وفي التعبير به إيماء إلى أنه رضي الله تعالى عنه حي شهيد لأن أصله محل يضطجع فيه
النائم . وأصل الحديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها : إن جبريل كان عند رسول الله صلى
الله تعالى عليه وسلم فدخل عليه الحسين فقال جبريل : من هذا ؟ قال : ابني . فقال : ستقتله
أمتك ، فإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها ، وأشار جبريل بيده إلى الطف من أرض
العراق وأخذ تربة حمراء فأراه إياها . ولا ينافي ذلك ما جاء أنه يقتل بكربلا لأن كربلا اسم
الموضع والطف ناحية تشتمل عليه . وكان قتله في عاشوراء وقتل معه جماعة من أهل البيت
وقيل إن هذه التربة كانت عندهم وإنها في يوم قتله يظهر عليه دم ، واختلف فيمن باشر قتله
قاتله الله وأخزاه وجعل سجين مأواه ولابن العربي هنا مقالة أظنه برئ منها .