تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
أخبرني جبريل أن هذا يقتل بأرض العراق - للحسين ، فقلت لجبريل : أرني تربة الأرض يقتل بها ، فهذه تربتها ( طب ) 1 ) .
هامش
( 1 ) قال العلامة الشريف السيد محمد بن عبد الرسول البرزنجي الحسيني الموسوي الشافعي الشهرزوري المدني المتوفى بها سنة 1103 في كتابه " الإشاعة لأشراط الساعة " ( ص 24 ط دار الكتب العلمية في بيروت ) قال : وجاء من طرق صحح الحاكم بعضها : أن جبريل - وفي رواية ملك القطر - جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن الحسين مقتول ، وأراه من تربة الأرض التي يقتل فيها ، فأعطاها لأم سلمة وأخبرها أن يوم قتله يتحول دما ، فكان كذلك . وشم صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : ريح كرب وبلاء ، وسببه أنه لما مات الحسن أخذ معاوية البيعة ليزيد من أهل الشام وجاء حاجا فأراد أن يأخذها من أهل الحجاز من المهاجرين والأنصار ، فامتنعوا وقالوا : إن كان لك رغبة فيها فهي لك ، وإن سئمتها فردها على المسلمين . فلما مات معاوية وبويع ليزيد بالشام وغيرها ، أرسل يزيد لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين ، فهرب الحسين إلى مكة خوفا عن نفسه ، فأرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه ، فنهاه ابن عباس وذكر له غدرهم وقتلهم لأبيه وخذلانهم لأخيه وأمره أن لا يذهب بأهله ، فأبى فبكى ابن عباس وقال : وا حسيناه . وقال له ابن عمر نحو ذلك فأبى ، فقبل بين عينيه وقال : استودعتك الله من قتيل . وكذلك نهاه ابن الزبير ، بل لم يبق بمكة أحد إلا حزن لمسيره . ولما بلغ أخاه محمد بن الحنفية بكى حتى ملأ طستا بين يديه ، وقدم أمامه مسلم بن عقيل فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفا أو أكثر ، وأرسل إليه يزيد ابن زياد وحرضه على قتله ، وأخذوا مسلم بن عقيل فقتلوه ، وتفرق المبايعون . وسار الحسين غير عالم بذلك ، فلقى الفرزدق فسأله فقال : قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء ولما قرب من القادسية تلقاه من أخبره الخبر وأمره بالرجوع ، فقالت إخوة مسلم بن عقيل : والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا أو نقتل . فقال : لا خير في الحياة بعدكم . ثم سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد ، فعدل إلى كربلاء ، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل ، فلما وصلوا إليه طلبوا منه النزول على حكم ابن زياد والمبايعة ليزيد ، فقال : دعوني أذهب إلى يزيد . فأبى ابن زياد إلا النزول على حكمه ، فقال : والله لا نزلت على حكمه أبدا . فقاتلوه وكان أكثر مقاتليه المكاتبين له والمبايعين له ، فلعنة الله على قاتليه مرة وعلى خاذليه مائة مرة حيث جعلوا آل بيت رسول الله فداء لأنفسهم ، قاتلهم الله ما أغدرهم وأخذلهم ، ومن ثم قال لهم أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه : والله لو قدرت لبعتكم بأهل الشام صرف الدراهم بالدنانير كل عشرة منكم بواحد منهم . فحارب عليه السلام ذلك العدد الكثير ، ومعه من أهله نيف وثمانون ، فشبت في ذلك الموقف ثباتا باهرا ، ولولا أنهم حالوا بينه وبين الماء ما قدروا عليه . فلما بلغ القتلى من أهله خمسين نادى : أما ذاب عن حريم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج يزيد بن الحرث رجاء شفاعة جده صلى الله عليه وسلم ، فقاتل بين يديه حتى قتل . ثم ثبت في أصحابه وبقي بمفرده ، فحمل عليهم حملة حمزة وأبيه علي ، وقتل كثيرا من شجعانهم ، فكثروا عليه حتى حالوا بينه وبين حريمه ، فصاح عليه السلام : كفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال فكفوا ، ثم لم يزل يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح ، لأنه طعن إحدى وثلاثين طعنه ، وضرب أربعا وثلاثين ضربة ، ومع ذلك غلى عليه العطش ، فسقط إلى الأرض وحزوا رأسه الشريف يوم الجمعة عاشر محرم عام إحدى وستين . ولما وضعه قاتله بين يدي اللعين ابن زياد أنشد متبجحا : أوقر ركابي فضة وذهبا * إني قتلت ملكا محجبا قتلت خير الناس أما وأبا * وخيرهم إذ ينسبون نسبا فأمر بضرب نقه وقال : إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته . والطاهر أنه ما قتله إلا لأنه مدحه لا لأنه قتله ، ويدل لذلك أنه جعل الرأس الشريف في طست وجعل يضرب ثناياه الشريفة بقضيب ويدخله أنفه ويتعجب من حسن ثغره ، فبكى أنس رضي الله عنه وقال : كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال زيد بن أرقم : أرفع قضيبك فوالله لطالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ما بين الشفتين ، وبكى فأغلظ عليه اللعين ابن زياد وهدده بالقتل ، فقال : لأحدثنك بما هو أغيظ عليك من هذا ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعد حسنا على فخذه اليمنى وحسينا على فخذه اليسرى ، ثم وضع يده الكريمة على يافوخهما ، ثم قال : اللهم إني استودعك إياهما وصالح المؤمنين . فكيف كانت وديعة النبي عندك يا ابن زياد . وقد انتقم الله منه ، فقد روى الترمذي بسند صحيح إن رأس ابن زياد لما قتل وضع موضع رأس الحسين ، وإذا حية عظيمة قد جاءت ، فتفرق الناس عنها ، فتخللت الرأس حتى جاءت ابن زياد فجعلت تدخل في فمه وتخرج من منخريه وتخل من منخريه وتخرج من فمه ، فعلت ذلك مرتين أو ثلاثا . ولما دخل قصر الإمارة بالكوفة أمر برأس فوضع على ترس عن يمينه والناس سماطان ، ثم أنزل وجهزه مع رؤوس أصحابه وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال موثقين في الحبال والنساء مكشفات الوجوه والرؤس إلى يزيد لعنه الله ، ولما نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس أول منزل جعلوا يشربون على الرأس ، فخرجت عليهم يد من الحائط فكتبت سطرا بدم : أترجوا أمة قتلت حسينا * شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس ، ثم عادوا وأخذوه ، ولما قدموا به على يزيد أقام الحريم على درج الجامع حيث تقام الأسارى والسبي . ومما ظهر يوم قتله إن السماء أمطرت دما ، وإن أوانيهم ملئت دما ، وانكشفت الشمس ورؤيت النجوم ، واشتد الظلام حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت وإن الكواكب ضربت بعضها بعضا ، وإنه لم يرفع حجر إلا رؤي تحته دم عبيط ، وإن الورس انقلب دما ، وإن الدنيا أظلمت ثلاثة أيام . وقتل معه من إخوته وبنيه وبني أخيه الحسن ومن أولاد جعفر وعقيل تسعة عشر رجلا ، قال الحسن البصري : وما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيه ، وأنشدوا : أعين بكى بعبرة وعويل * واندبي إن ندبت آل الرسول سبعة منهم لصلب علي * قد أبيدوا وتسعة لعقيل قال المولوي علي بن سلطان محمد القاري في " شرح الشفاء للقاضي عياض " ج 3 ص 191 المطبوع بهامش " نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض " ( ط دار الفكر بيروت ) قال : ( وأخبر بقتل الحسين ) أي ابن علي رضي الله عنهما ( بالطف ) بفتح الطاء وتشديد الفاء مكان بناحية الكوفة على شط نهر الفرات واشتهر الآن بكربلاء كأنه مركب من الكرب والبلاء وحذفت الباء الأولى تخفيفا والاكتفاء بحسب الايماء ، واستشهد وهو ابن خمس وخمسين سنة ووجد به ثلاث وثلاثون طعنة وثلاث وثلاثون ضربة ، وكان جميع من حضر معه من أهل بيته وشيعته سبعة وثمانين منهم علي بن الحسين الأكبر وكان يرتجز ويقول : أنا علي بن الحسين بن علي * نحن وبيت الله أولى بالنبي تالله لا يحكم فيها ابن الدعي وقتل من ولد أخيه عبد الله بن الحسن والقاسم بن الحسن ، ومن إخوته العباس بن علي وعبيد الله بن علي وجعفر بن علي وعثمان بن علي ومحمد بن علي وهو أصغرهم ، ومن ولد جعفر بن أبي طالب محمد بن عبد الله بن جعفر وعون بن عبد الله بن جعفر ، ومن ولد عقيل بن أبي طالب : عبد الله بن عقيل وعب الرحمن بن عقيل وجعفر بن عقيل ، وقتل معه من الأنصار أربعة والباقي من سائر العرب ودفنوا بعد قتلهم بيوم . وذكر أبو الربيع بن سبع في مناقب الحسين عن يعقوب بن سفيان قال : كنت في ضيعتي فصلينا العتمة ثم جلسنا في البيت ونحن جماعة ، فذكروا الحسين بن علي فقال رجل : ما من أحد أعان على قتل الحسين إلا أصابه عذاب قبل أن يموت ، وكان في البيت شيخ كبير فقال : أنا ممن شهدها وما أصابني أمر أكرهه إلى ساعتي هذه . فطفئ السراج فقام لإصلاحه فغارت النار فأخذته فجعل يبادر نفسه إلى الفرات ينغمس فيه فأخذته النار حتى مات . قلت : بل جمع له بين الاحراق والاغراق . ( وأخرج بيده تربة ) أي قبضة من التراب ( وقال فيها مضجعه ) بفتح الميم والجيم ويكسر أي مقتله أو مدفنه ، ورواه البيهقي من طرق ولفظ حديثه عن عائشة : إن جبريل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فدخل حسين فقال جبريل من هذا فقال ابني فقال ستقتله أمتك وإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها ، فأشار بيده إلى الطف من العراق فأخذ تربة حمراء فأراه إياها . وقال العلامة شهاب الدين أحمد الخفاجي المصري في " نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض " ( ج 3 ص 191 دار الفكر - بيروت ) قال : ( وأخبر ) صلى الله تعالى عليه وسلم فيما رواه البيهقي من طرق ( بقتل الحسين ) ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما ( بالطف ) بفتح الطاء المشددة المهملة وتشديد الفاء وهو مكان بناحية الكوفة ( وأخرج ) صلى الله تعالى عليه وسلم ( بيده تربة ) أي مقدار ملء كف من تراب أراه لبعض أصحابه وأهل بيته ( وقال ) إذا أخرجها ( فيها ) أي في أرض هذا التراب منها وفيها يموت ويقتل ( مضجعه ) أي مصرعه إذ يقتل وجيمه مفتوحة وتكسر والأول أقيس وأفصح ، وفي التعبير به إيماء إلى أنه رضي الله تعالى عنه حي شهيد لأن أصله محل يضطجع فيه النائم . وأصل الحديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها : إن جبريل كان عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فدخل عليه الحسين فقال جبريل : من هذا ؟ قال : ابني . فقال : ستقتله أمتك ، فإن شئت أخبرتك بالأرض التي يقتل فيها ، وأشار جبريل بيده إلى الطف من أرض العراق وأخذ تربة حمراء فأراه إياها . ولا ينافي ذلك ما جاء أنه يقتل بكربلا لأن كربلا اسم الموضع والطف ناحية تشتمل عليه . وكان قتله في عاشوراء وقتل معه جماعة من أهل البيت وقيل إن هذه التربة كانت عندهم وإنها في يوم قتله يظهر عليه دم ، واختلف فيمن باشر قتله قاتله الله وأخزاه وجعل سجين مأواه ولابن العربي هنا مقالة أظنه برئ منها .
شرح إحقاق الحق — صفحة 231 | السيد شهاب الدين المرعشي النجفي / السيد محمود المرعشي