تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 563

مساهمون:

ص٥٦٣
قال عوانة : ثم قام الحسن - فيما بلغني - في الناس فقال : يا أهل العراق إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث : قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي . وقال أيضا في ص 180 : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي ، أنبأنا أبو محمد الجوهري ، أنبأنا محمد بن العباس ، أنبأنا أحمد بن معروف ، أنبأنا محمد بن سعد ، أنبأنا هشام أبو الوليد [ الطيالسي ] أنبأنا أبو عوانة ، عن حصين عن أبي جميلة [ ميسرة بن يعقوب ] أن الحسن بن علي لما استخلف حين قتل علي . فبينما هو يصلي إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجر ، وزعم حصين أنه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد وحسن ساجد . قال حصين : - وعمي أدرك ذاك . قال : فيزعمون أن الطعنة وقعت في وركه فمرض منها أشهرا ثم برأ فقعد على المنبر فقال : يا أهل العراق اتقوا الله فينا فإنا أمراءكم وضيفانكم الذين قال الله عز وجل : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) [ الأحزاب : 33 ] . قال : فما زال يقول ذاك حتى ما رئي أحد من أهل المسجد إلا وهو يخن بكاءا . ( 1 )
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر محمد رضا أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول سابقا في كتابه : ( الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ( ص 29 ط دار الكتب العلمية - بيروت ) قال : تفرق أهل العراق عن الحسن رضي الله عنه ولم يستطع تأليف جيش منهم لمحاربة معاوية . فكتب إليه وذكر له شروطا . وقال له : إن أنت أعطيتني هذا ، فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به ، وقال لأخيه الحسين وعبد الله بن جعفر : إنني قد راسلت معاوية في الصلح . فقال له الحسين : أنشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة أبيك ! فقال له الحسن : اسكت أنا أعلم بالأمر منك . وكان رأي الحسين رضي الله عنه أن يحارب الحسن معاوية كما حاربه أبوه علي رضي الله عنه . لكن الحسن علم تفرق الأم عنه ، وأنه لو حارب معاوية بجيش غير متحد وغير راغب في القتال لما أحرز النصر فأراد أن يحقن دماء المسلمين ويصالح معاوية . فلما انتهى كتاب الحسن إلى معاوية ، فرح فرحا شديدا ، وأمسك الكتاب وكان قد أرسل عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس إلى الحسن وكتب إليه : أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك . فلما أتت الصحيفة إلى الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده . فلما سلم الحسن الأمر إلى معاوية طلب أن يعطيه الشروط التي في الصحيفة التي ختم عليها معاوية فأبى . وقال : لقد أعطيتك ما كنت تطلب . فلما اصطلحا ، قام الحسن في أهل العراق فقال : ( إنه سخي بنفسي عنكم ثلاث : ( أي الأسباب التي جعلتني أتخلى عنكم وأزهد فيكم وأسلم الأمر إلى معاوية ) قتلكم أبي ، وطعنكم إياي ( وكان قد طعن ) ، وانتهابكم متاعي ) يعني أنه قد فقد الثقة بهم . وكان الذي طلب الحسن من معاوية أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة وقدره خمسة آلاف ألف أي خمسة ملايين درهم ( 15000 جنيه في السنة ) وخراج دارابجرد من فارس ( ولاية ) وإن لا يشتم عليا . فلما يجبه إلى الكف عن شتم علي . فطلب أن لا يشتم وهو يسمع . فأجابه إلى ذلك ثم لم يف له به أيضا . أما خراج داربجرد ، فإن أهل البصرة منعوا الحسن منه وقالوا هو فيئنا لا نعطيه أحدا ، وكان منعهم بأمر معاوية أيضا . إلى أن قال في ص 43 : اشترط الحسن على معاوية أن تكون له الخلافة بعده . وكان معاوية استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة ، ثم هي أن يعزله ويولي سعيد بن العاص . فلما بلغ ذلك المغيرة ، قدم الشام على معاوية فقال : ( يا أمير المؤمنين قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف وفي عنقك الموت . وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان . فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه . واجعل ذلك يزيد ابنك ) . قال ذلك المغيرة بعد أن علم أن مركزه مهدد وبعد أن بلغه أن معاوية يريد عزله . فأراد أن يتزلف إلى معاوية بترشيح ابنه يزيد للخلافة لأن ذلك يرضيه ويرضي يزيد . ففكر معاوية في ذلك ، ثم بدا له أن يأخذ برأي المغيرة . فلما اجتمعت وفود الأمصار بدمشق وفيهم الأحنف بن قيس ، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له : ( إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي ، فاستأذني للقيام ، فإذا أذنت لك ، فاحمد الله تعالى واذكر يزيد وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه . ثم ادعني إلى توليته من بعدي ، فإني رأيت وأجمعت على توليته . فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء ) فمعاوية يملي إرادته على الضحاك . ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن مسعدة الفزاري وثور بن معن السلمي وعبد الله بن عصام الأشعري ، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله ويدعوه إلى يزيد . فلما جلس معاوية على المنبر وفرغ من بعض موعظته وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام ، قام الضحاك بن قيس ، فاستأذن في الكلام فأذن له ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به . إنا قد بلونا الجماعة والألفة ، والاختلاف والفرقة ، فوجدناها ألم لشعثنا وأمنة لسبلنا وحاقنة لدمائنا وعائدة علينا في عاجل ما نرجو به الجماعة من الألفة ، ولا خير لنا أن نترك سدى والأيام عوج رواجع . والله يقول : ( كل يوم هو في شأن ) ولسنا ندري ما يختلف به العصران . وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه . نسأل الله تعالى بك المتاع . وقد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين وحسن مذهبه وقصد سيرته ويمن نقيبته ، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين والشبه بأمير المؤمنين في عقله وسياسته وشيمته المرضية ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا والقنوع به في الولاية علينا . فليوله أمير المؤمنين ( أكرمه الله - عهده . وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده نأوي إليه إن كان كون . فإنه ليس أحد أحق بها منه . فاعزم على ذلك ، عزم الله لك في رشدك ، ووفقك في أمورنا ) . فالضحاك أطاع أمر معاوية ومدح يزيد وجعله كمعاوية . أما قوله : فإنه ليس أحد أحق بها منه ، فهذا كذب صريح ونفاق واضح ( * 1 ) . ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين ، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه ، قد احدودبت علينا سيساؤه ، واقطوطبت علينا أدواؤه ، وأناخت علينا أنباؤه ، نخن نشير عليك الرشاد ، وندعوك إلى السداد ، وأنت يا أمير المؤمنين أحسننا نظرا ، وأثبتنا بصرا ، ويزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته ، وبلونا علانيته ورضينا ولايته ، وزادنا بذلك انبساطا وبه اغتباطا مع ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين . فاعزم على ذلك ولا تضق به ذرعا ، فالله تعالى يقيم به الأود ، ويردع به الألد ، ويؤمن به السبل ، ويجمع به الشمل ، ويعظم به الأجر ويحسن به الذخر ) ثم جلس . فقام ثور بن معن السلمي ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين ، إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب ، وظله ذاهب ، مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة . وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل الله بك المتاع . ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا وأبذلنا عرفا ، وقد دعانا إلى الرضا به والقنوع بولايته والحرص عليه والاختيار له ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه وحسن بلائه . فاجعله لنا بعدك خلفا ، فإنه أوسعنا كنفا وأقدمنا سلفا . وهو رتق لما فتق ، وزمام لما شعث ، ونكال لمن فارق ونافق ، وسلم لمن واظب وحافظ للحق . أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة والخير فيما أراد ، والتوطن في البلاد وصلاح أمر جميع البلاد ) . ثم قام عبد الله بن عاصم ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به ، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية ، وأهواء منجذمة نخاف حدها ، وننتظر جدها ، شديد منحدرها ، كثير وعرها شامخة مراقيها ، ثابتة مراتبها ، صعبة مراكبها . فالموت يا أمير المؤمنين مسؤول وراءك وراء العباد ، لا يخلد في الدنيا أحد ، ولا يبقى لنا أمد . وأنت يا أمير المؤمنين مسؤول عن رعيتك ، ومأخوذ بولايتك ، وأنت نظر للجماعة ، وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة ، وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا وأجمعها رضا . فاقطع بيزيد قالة الكلام ، ونخوة المبطل ، وشعث المنافق ، وأكبت به الباذخ المعادي ، فإن ذلك ألم للشعث وأسهل للوعث . فاعزم على ذلك ولا تترام بك الظنون ثم قام عبد الله بن سعدة الفزاري ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به ، إن الله قد آثرك بخلافته ، واختصك بكرامته ، وجعلك عصمة لأوليائه ، وذا نكاية لأعدائه ، فأصبحت بأنعمه جذلا ، ولما حملك محتملا ، يكشف الله تعالى بك العمى ، ويهدي بك العدا ، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة ، وأحقهم بالخلافة بعدك ، قد ساس الأمور ، وأحكمته الدهور ، ليس بالصغير الفهيه ، ولا بالكبير السفيه ، قد احتجن المكارم ، وارتجي لحمل العظائم ، وأشد الناس في العدا نكاية ، وأحسنهم صنعا في الولاية . وأنت أغنى بأمرك ، وأحفظ لوصيتك ، وأحرز لنفسك . أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد والنعمة في غير تغيير ) . فقال معاوية : ( أو كلكم قد أجمع على هذا رأيه ؟ فقالوا : كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا . قال : فأين الأحنف ؟ فأجابه . قال : ألا تتكلم ؟ ) . فقام الأحنف ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ( * 2 ) : ( أصلح الله أمير المؤمنين ، إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف ، ومعروف زمان مؤتنف ، ويزيد ابن أمير المؤمنين نعم الخلف ، وقد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك ، ثم اعص أمر من يأمرك ، ولا يغررك من يشير عليك ولا ينظر لك ، وأنت أنظر للجماعة ، وأعلم باستقامة الطاعة مع أن أهل الحجاز أو أهل العراق لا يرضون بهذا ، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا ) . فغضب الضحاك بن قيس فقام الثانية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين ، إن أهل النفاق من أهل العراق ، مروءتهم في أنفسهم الشقاق ، وألفتهم في دينهم الفراق ، يرون الحق على أهوائهم كما ينظرون بأقفائهم ، اختالوا جهلا وبطرا لا يرقبون من الله راقبه ، ولا يخافون وبال عاقبة ! اتخذوا إبليس لهم ربا ، واتخذهم إبليس حزبا ! فمن يقاربوه لا يسروه ، ومن يفارقوه لا يضروه . فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم وكلامهم في صدورهم ! ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه ، هيهات ، لا تورث الخلافة عن كلالة ، ولا يحجب غير الذكر العصبة . فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم وكاتب نبيكم وصهره ، يسلم لكم العاجل وترجوا من الآجل ) . ثم قام الأحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه وقال : ( يا أمير المؤمنين . إنا قد فررنا عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا وأشدها عقدا وأوفاها عهدا . وقد علمت أنك لم تفتح العراق ولم تظهر عليها قعصا . ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك . فإن تف ، فأنت أهل الوفاء ، وإن تغدر تعلم والله إن وراء الحسن خيولا وجيادا وأذرعا شددا وسيوفا حدادا . إن تدن له شبرا من غدر ، تجد وراءه باعا من نصر . وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما ، وما نزل عليهم في ذلك خبر من السماء . وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم . والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم . وأيم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من علي ) . ثم قام عبد الله بن عثمان الثقفي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أصلح الله أمير المؤمنين . إن رأي الناس مختلف . وكثير منهم منحرف لا يدعون أحدا إلى رشاد . ولا يجيبون داعيا إلى سداد . مجانبون لرأي الخلفاء . مخالفون لهم في السنة والقضاء . وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية وأرضاها لحمل الرعية . فإذا خار الله لك فاعزم ثم اقطع قالة الكلام . فإن يزيد أعظمنا حلما وعلما . وأوسعنا كنفا . وخيرنا سلفا . قد أحكمته التجارب وقصدت به سبل المذاهب . فلا يصرفنك عن بعته صارف . ولا يقفن بك دونها واقف ممن هو شاسع عاص ينوص للفتنة كل مناص . لسانه ملتو وفي صدره داء دوي . إن قال فشر قائل . وإن سكت فداء غائل . قد عرفت منهم أولئك وما هم عليه لك من المجانبة للتوفيق والكلف للتفريق . فأجل ببيعته عنا الغمة واجمع به شمل الأمة . فلا تحد عنه إذا هديت له ولا تنبش عنه إذا وقفت له . فإن ذلك الرأي لنا . ولك الحق علينا وعليك أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه ) . فقام معاوية فقال : أيها الناس إن لإبليس من الناس إخوانا وخلانا : بهم يستعدي وإياهم يستعين ، وعلى ألسنتهم ينطق . إن رجوا طبعا أو جفوا . وإن استغني عنهم أرجفوا . ثم يلحقون الفتن بالفجور ويشققون لها حطب النفاق . عيابون مرتابون إن لووا عروة أمر حنقوا . وإن دعوا إلى غي أسرفوا . وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل ، وتحل بهم قوارع أمر جليل . تجتث أصولهم كاجتثاث أصول الفقع ، فأولى لأولئك ثم أولى ، فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر ) . فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة - وترك المغيرة . ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة . ثم قام أبو حنيف فقال : ( يا أمير المؤمنين : إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها . أنت يا أمير المؤمنين فإن هلكت فيزيد بعدك . فمن أبى فهذا . وسل سيفه . فقال معاوية : أنت أخطب القوم وأكرمهم ) . ثم قام الأحنف بن قيس فقال : ( أنت أعلمنا بليله ونهاره ، وسره وعلانيته . فإن كنت تعلم أنه شر لك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة . فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب . واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم منهما وإلى ماهما . وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا ربنا وإليك المصير ) . هذا ما دبره معاوية ليولي ابنه يزيد الخلافة بعده ، وفي ذلك نقض لما شرطه عليه الحسن . وقد سمع معاوية الخطباء الذين تكلموا فمدحوا يزيد وأثنوا عليه ثناء عاطرا وطلبوا توليته لاستحقاقه . وقد أجمعوا على ذلك بناء على إيعاز سابق ، ولم يخالفهم غير الأحنف بن قيس ، وكان كما ذكرنا في الهامش من دهاة العرب وعقلائهم . فإنه دعا معاوية إلى الوفاء للحسن وصرح له أن وراء الحسن خيولا وجيادا وأذرعا شدادا وسيوفا حدادا . أي أن له شيعة قوية تسنده وتحارب من أجله . وفي هذا تهديد ووعيد . لم يرد عليه معاوية حين قال له : واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين وأنت تعلم من هما . لم يرد عليه لأنه لم يشأ إثارة هذا الموضوع في مجتمع حافل فيه من يقدر عليا وأولاده ومن يفضل الحسن على يزيد . فأعرض معاوية عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة 50 فتلقاه الناس ، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر وإلى عبد الله بن الزبير وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر . فلما جلسوا تكلم معاوية فقال : ( الحمد لله الذي أمرنا بحمده ووعدنا عليه ثوابه . نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله . أما بعد : فإني قد كبر سني ووهن عظمي وقرب أجلي وأوشكت أن أدعى فأجيب . وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد ، ورأيته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش وخيارها ، وأبناء خيارها ، لو يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما ، على حسن رأيي فيهما وشديد محبتي لهما . فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم الله ) . رد عبد الله بن عباس على معاوية فتكلم عبد الله بن عباس فقال : ( الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده ، واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله على محمد وآل محمد . أما بعد فإنك قد تكلمت فأنصتنا وقلت فسمعنا . وإن الله جل ثناءه وتقدست أسماؤه اختار محمد صلى الله عليه وسلم لرسالته واختاره لوحيه وشرفه على خلقه . فأشرف الناس من تشرف به وأولاهم بالأمر أخصهم به . وإنما على الأمة التسليم لنبيها إذا اختاره الله لها . فإنه إنما اختار محمدا بعلمه وهو العليم الخبير والله لي ولكم ) . أشار ابن عباس إلى أن أقارب النبي هم أولى بالأمر ولم يخص الحسن والحسين . رد عبد الله بن جعفر ( الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه نحمده على إلهامنا حمده نرغب إليه في تأدية حقه . وأشهد أن لا إله إلا هو واحدا صمدا . لم يتخذ صاحبة ولا ولدا . وأن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم . أما بعد فإن هذا الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله . وإن أخذ فيها بسنة رسول الله فأولوا رسول الله . وإن أخذ فيها سنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول . وأيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه لحقه وصدقه ولأطيع الرحمن وعصي الشيطان . وما اختلف في الأمة سيفان . فاتق الله يا معاوية فإنك قد صرت راعيا ونحن رعية . فانظر لرعيتك فإنك مسؤول عنها غدا . وأما ما ذكرت من ابني عمي وتركك أن تحضرهما ، فوالله ما أصبت الحق ولا يجوز لك ذلك إلا بهما وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم . فقل أو دع . واستغفر الله لي ولكم ) . صرح عبد الله بن جعفر أن أولي الأرحام أولى ، وبعبارة أخرى أولي رسول الله وقال إنه كان ينبغي لمعاوية أن يستدعي الحسن والحسين . رد عبد الله بن الزبير ( الحمد لله الذي عرفنا دينه وأكرمنا برسوله ، وأحمده على ما أبلى وأولى وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله . أما بعد : فإن هذه الخلافة لقريش خاصة تتناولها بمآثرها السنية . وأفعالها المرضية مع شرف الآباء وكرم الأبناء . فاتق الله يا معاوية وأنصف من نفسك فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول الله وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي خلف حسنا وحسينا ، وأنت تعلم من هما وما هما . فاتق الله يا معاوية وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك ) . رد عبد الله بن عمر ( الحمد لله الذي أكرمنا بدينه وشرفنا بنبيه صلى الله عليه وسلم . أما بعد : فإن هذه الخلافة ليست بهر قلية ولا قيصرية ولا كسراوية يتوارثها الأبناء عن الآباء . ولو كان كذلك ، كنت القائم بهذا بعد أبي . فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا وإنما هي في قريش خاصة لمن كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم من كان أتقى وأرضى فإن كنت تريد الفتيان من قريش ، فلعمري إن يزيد من فتيانها واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئا ) . تعقيب معاوية على كلام العبادلة ( قد قلت وقلتم ، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الأبناء . فابني أحب إلي من أبنائهم مع أن ابني إن قاولتموه ، وجد مقالا . وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف لأنهم أهل رسول الله . فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولي الناس أبا بكر وعمر من غير معدل الملك ولا الخلافة . غير أنهما سارا بسيرة جميلة ، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة . وقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها فأما ابني عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله ) . ثم أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم ، ثم انصرف راجعا إلى الشام ، وسكت عن البيعة ، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين . ( * 1 ) كان الضحاك على شرطه معاوية ، وحارب في جيشه واستعمله على الكوفة بعد زياد سنة 53 ، ولما توفي معاوية صلى الضحاك عليه ، وضبط البلد حتى قدم يزيد فكان مع يزيد وابنه معاوية إلى أن ماتا ( * 2 ) أدرك الأحنف النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، كان أحد الحكماء الدهاة العقلاء ، وكان ممن اعتزل الحرب بين علي وعائشة رضي الله عنهما بالجمل ، وشهد صفين مع علي .