فضائل الإمام الحسن
عليه السلام
ميلاده عليه السلام
ذكر جماعة من أعلام العامة كيفية ولادته وتاريخها في كتبهم ( 1 ) :
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر محمد رضا أمين مكتبة جامعة فؤاد الأول سابقا في كتابه ( الحسن
والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ( ص 13 ط دار الكتب العلمية -
بيروت ) :
الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ،
سبط النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أول أولاد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
سيدة نساء العالمين . وهو سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبي صلى الله عليه وسلم وشبيهه .
سماه رسول الله ( الحسن ) وعق عنه يوم سابعه ( ذبح شاة ) وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة
شعره فضة . وهو خامس أهل الكساء ( المجد والشرف ) .
ولد الحسن في النصف من شهر رمضان بالمدينة المنورة سنة ثلاث من الهجرة .
قالت أم الفضل [ وهي : أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية . أول امرأة أسلمت
بعد خديجة بمكة وهي زوج العباس بن عبد المطلب يقال لها لبابة الكبرى ، أخت ميمونة
زوج رسول الله وخالة خالد بن الوليد ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها ويقيل عندها
وكانت من المنجبات ولدت للعباس ستة رجال ، أحدهم القثم ] :
يا رسول الله رأيت كأن عضوا من أعضائك في بيتي . قال : رأيت خيرا . تلد فاطمة غلاما
فترضعيه بلبن قثم . فولدت الحسن فأرضعته بلبن قثم ( ابنها ) .
تسميته بالحسن :
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال : أروني ابني ) . ما سميتموه . قلت سميته ( حربا ) قال : بل هو ( حسن ) . فلما
ولد الحسين سميناه حربا . قال : بل هو ( حسين ) فلما ولد الثالث ، جاء النبي صلى الله عليه
وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه . قلت سميته حربا . قال هو محسن . ثم قال سميتهم
بأسماء ولد هارون ( شبر وشبير ومشبر ) وتوفي محسن صغيرا .
قال أبو أحمد العسكري : سماه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وكناه ( أبا محمد ) ولم
يكن يعرف هذا الاسم في الجاهلية .
صفته رضي الله عنه :
كان الحسن أبيض ، مشربا بحمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، كث اللحية ، وكان
يخضب بالوسمة .
أخلاقه وفضائله رضي الله عنه :
كان الحسن حليما ، كريما ، ورعا ، ذا سكينة ووقار وحشمة ، جوادا ، ممدوحا ، ميالا
للسلم ، يكره الفتن وإراقة الدماء ، ما سمعت منه كلمة فحش قط ، إلا أنه كان كثير الزواج ،
مطلاقا للنساء ، ولا يفارق امرأة إلا وهي تحبه ، وكان أبوه رضي الله عنه يأخذ عليه كثرة
الطلاق ويخشى عواقبها حتى قال : ( يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق ) فقال
رجل من همدان : ( والله لنزوجنه فمن رضي أمسك ومن كره طلق ) .
وكان الحسن لا يشارب في دعوى ولا يدخل في مراء ولا يدلي بحجة حتى لا يرى قاضيا .
كان يقول ما يفعل ، ويفعل ما لا يقول ، تفضلا وتكرما ، كان لا يغفل عن إخوانه ، ولا
يتخصص بشئ دونهم . لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله . إذا ابتدأه أمران لا يدري أيهما
أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواء فخالفه . وكان قاضيه قاضي أبيه ، وكذلك كاتبه ،
ولم يكن له حاجب .
كرمه رضي الله عنه :
سأله رجل صدقة ولم يكن عنده ما يسد به رمقه فاستحى أن يرده . فقال له : ألا أدلك على
شئ يحصل لك منه البر ؟ قال : بلى ، فما هو ؟ قال : اذهب إلى الخليفة فإن ابنته توفيت
وانقطع عليها وما سمع من أحد تعزية . فعزه بقولك له : ( الحمد لله الذي سترها بجلوسك
على قبرها ولا هتكها بجلوسها على قبرك ) . فذهب الرجل وفعل ما قال له . فذهب عن
الخليفة حزنه وأمر له بجائزة وقال له : أكلامك هذا ؟ قال : لا ، بل كلام فلان . قال : صدقت
فإنه معدن الكلام الفصيح ، وأمر له بجائزة أخرى . ا ه .
إن من يلوذ بأهل البيت ، لا يرد خائبا بل ينال ما يريد وفوق ما يريد . فإنهم منبع الكرم
والجود والاحسان . قد كان في استطاعة الحسن أن يعتذر لمن سأله بأن ليس لديه شئ يعطيه
ويكون عذره وقتئذ مقبولا . لكنه التمس له طريقة يفرج بها كرب السائل فأشار عليه بما
تقدم ، فنال ما نال ، فانظر الفرق الشاسع بين بخل الأغنياء الذين يدعون الفاقة والعوز
وينتحلون ألف عذر إذا قصدهم فقير أو محتاج قد ضاقت أمامه السبل ، ولا يشفقون على
حاله وهم يكنزون المال . وبعضهم
يتظاهر بالصلاح والطيبة ، ولا ينفق شيئا لمحتاج لشدة
محبته للمال ، فهو شديد الحرص شديد التقتير لا يبالي عاش الناس أم ماتوا جوعا . وقد
ضرب لنا الحسن رضي الله عنه وغيره من أهل البيت والصالحين أمثالا في الكرم والجود
ونكران الذات نحتذي حذوها ونقتدي بها . لكنا قد تركناها وتغاضينا عنها . فكره الناس
بعضهم بعضا ، وامتلأت قلوبهم حقدا وحسدا .
وسمع الحسن رضي الله عنه رجلا يسأل ربه أن يرزقه عشرة آلاف درهم فانصرف الحسن
إلى منزله وبعث بها إليه .
وسأله رجل وشكا إليه حاله ، فدعا الحسن وكيله وجعل يحاسبه على نفقاته ومقبوضاته
حتى استقصاها . فقال : هات الفاضل . فأحضر خمسين ألف درهم . ثم قال : ماذا فعلت
بالخمسمائة دينار التي معك ؟ قال : عندي ، قال : فأحضرها . فلما أحضرها دفع الدراهم
والدنانير إلى الرجل واعتذر منه !
وقيل للحسن رضي الله عنه : لأي شئ نراك لا ترد سائلا وإن كنت على فاقة ؟ فقال : إني
لله سائل وفيه راغب ، وأنا أستحي أن أكون سائلا وأرد سائلا ، وإن الله تعالى عودني عادة .
عودني أن يفيض نعمه علي ، وعودته أن أفيض على الناس . فأخشى إن قطعت العادة أن
يمنعني العادة ، وأنشد يقول :
إذا ما أتاني سائل قلت مرحبا * بمن فضله فرض علي معجل
ومن فضله فضل على كل فاضل * وأفضل أيام الفتى حين يسأل
وخرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم حجاجا . فلما كانوا ببعض
الطريق جاعوا وعطشوا وقد فاتتهم أثقالهم . فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز ،
فقالوا : هل من شراب ؟ فقالت : نعم . فأناخوا بها وليس عندها إلا شويهة . فقالت احلبوها
واشربوا لبنها . ففعلوا ذلك . فقالوا لها : هل من طعام ؟ قالت هذه الشويهة . ما عندي غيرها ،
فأنا أقسم عليكم بالله إلا ما ذبحها أحدكم حتى أهئ لكم الحطب فاشووها وكلوا ، ففعلوا
ذلك . وأقاموا عندها حتى أبردوا . فلما ارتحلوا من عندها ، قالوا لها : يا هذه ! نحن نفر من
قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين ، فألمي بنا فإنا صانعون بك خيرا إن شاء الله تعالى .
ثم ارتحلوا . وأقبل زوجها فأخبرته الخبر فغضب وقال : ويحك ! تذبحين شاتنا لقوم لا
نعرفهم ثم تقولين نفر من قريش ! !
ثم بعد دهر طويل أصابت المرأة وزوجها السنة فاضطرتهم الحاجة إلى دخول المدينة
فدخلا يلتقطان البعر فمرت العجوز في بعض سكك المدينة ومعها مكتلها تلتقط فيه البعر ،
والحسن رضي الله عنه جالس على باب داره . فنظر إليها فعرفها فناداها وقال لها : يا أمة الله ،
هل تعرفيني ؟ فقالت : لا . فقال : أنا أحد ضيوفك يوم كذا ، سنة كذا في المنزل الفلاني .
فقالت : بأبي أنت وأمي ، لست أعرفك . قال : فإن لم تعرفيني ، فأنا أعرفك . فأمر غلامه
فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه
الحسين رضي الله عنه . فلما دخل بها الغلام على أخيه الحسين عرفها وقال : بكم وصلها أخي
الحسن ؟ فأخبره فأمر لها بمثل ذلك . ثم بعث بها مع الغلام إلى عبد الله بن جعفر رضي الله
عنهما . فلما دخلت عليه عرفها وأخبره الغلام بما فعل معها الحسن والحسين رضي الله
عنهما . فقال : والله لو بدأت بي لأتعبتهما وأمر لها بألفي شاة وألفي دينار . فرجعت وهي
أغنى الناس .
ومن كرمه رضي الله عنه : أنه أعطى شاعرا مالا كثيرا فقيل له : أتعطي شاعرا يعصي
الرحمن ويقول البهتان ؟ فقال : إن خير ما بذلت من مالك ما وقيت به عرضك ، وإن من
ابتغاء الخير اتقاء الشر .
وقد روي مثل ذلك عن الحسين رضي الله عنه . وقيل إن شاعرا مدحه فأجزل ثوابه . فليم
على ذلك ، فقال : أتراني خفت أن يقول : لست ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ولا ابن علي رضي الله عنه فيصدق ويحمل عنه ويبقى مخلدا في الكتب ، محفوظا
على ألسنة الرواة ! فقال الشاعر : أنت والله يا ابن رسول الله أعرف بالمدح والذم مني .
تربيته ومحبة رسول الله له :
لما كان الحسن والحسين رضي الله عنهما ابني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبوهما علي بن أبي طالب ابن عم الرسول وربيبه ، فقد تربيا تربية عالية ونشئا على الفاضل
في بيئة من أرقى البيئات وأشرفها وقد سمعا الحديث . وكان عليه الصلاة والسلام يحبهما
ويرعاهما ويعلمهما .
روى الحسن أحاديث حفظها عن النبي صلى الله عليه وسلم منها في السنن
الأربعة ، قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر ، الحديث .
ومنها عن أبي الحوراء قلت للحسن : ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :
أخذت تمرة من تمر الصدقة فتركتها في فمي فنزعها بلعابها ، الحديث .
وفي الحديث : هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من
يحبهما .
ومن رعاية رسول الله لهما أنه بينما كان يخطب إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان
أحمران يمشيان ويعثران فنزل من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، الحديث .
ومن رعاية رسول الله لهما أنه بينما كان يخطب إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان
أحمران يمشيان ويعثران فنزل من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، الحديث .
وكان رسول الله يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن
يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما ، فإذا قضى الصلاة وضعهما في حجره فقال ( من أحبني
فليحب هذين ) .
ودخل علي وفاطمة ومعهما الحسن والحسين على رسول الله صلى الله عليه وسلم
فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق عليا بإحدى يديه وفاطمة بالأخرى فجعل عليهم خميصة
سوداء ( كساء ) فقال : ( اللهم إليك لا إلى النار ) .
وفي البخاري عن أبي بكرة : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن
علي معه وهو يقبل على الناس مرة وعليه مرة ويقول : إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به
بين فئتين من المسلمين ، قال : فلما ولي لم يهرق في خلافته محجمة من دم .
ولا شك أن الحسن والحسين ورثا عن جدهما وأبيهما فصاحة اللسان وقوة الجنان
وحضور البديهة والكرم والحلم وقد تعلما القرآن والتفسير من علي رضي الله عنه وأهل بيته
وكبار الصحابة وتلقيا الحديث وكان علي يقول الشعر وينطق بالحكمة وكذلك نشأة ولداه
رضي الله عنهما .
قصة الحسن واليهودي الفقير :
اغتسل الحسن رضي الله عنه وخرج من داره في بعض الأيام وعليه حلة فاخرة ووفرة
ظاهرة ومحاسن سافرة ، فعرض له في طريقه شخص من محاويج اليهود وعليه مسح من
جلود ، قد أنهكته العلة ، وركبته القلة والذلة ، وشمس الظهيرة قد شوت شواه وهو حامل
جرة ماء على قفاه . فاستوقف الحسن رضي الله عنه وقال : يا ابن رسول الله ! سؤال ، قال : ما
هو ؟ قال : جدك يقول : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) وأنت مؤمن وأنا كافر . فما أرى
الدنيا إلا جنة لك تتنعم بها ، وما أراها إلا سجنا علي قد أهلكني ضرها وأجهدني فقرها .
فلما سمع الحسن كلامه قال له :
( يا هذا ، لو نظرت إلى ما أعد الله لي في الآخرة لعلمت أني في هذه الحالة بالنسبة إلى
تلك في سجن . ولو نظرت إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب الأليم لرأيت أنك الآن
في جنة واسعة ) .
عرف اليهود منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدس وابتكار الأكاذيب والترهات
وتشكيك المسلمين في عقائدهم . وقد حاربهم الرسول في المدينة وأجلاهم عنها لخيانتهم
ونقضهم العهود والمواثيق . وقد أسلم بعضهم عن عقيدة صحيحة لكن بقي أكثرهم حانقا
على المسلمين . وكان رئيس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول وقد مضى ذكره في سيرة
الرسول . وهذا هو عبد الله بن سبأ الذي صار يتنقل في البلدان ويبث الدعاية ضد عثمان بن
عفان رضي الله عنه ويحض على الثورة . وفي هذه القصة التي ذكرناها هنا نجد أن هذا
اليهودي يعترض على الحسن لما رآه يرتدي ملابس فاخرة ويذكر له حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم القائل : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) فكيف يتنعم الحسن في الدنيا
وهو مؤمن ويشقى اليهودي وهو كافر ؟ ولماذا لا يكون حالهما بالعكس إذا كان حديث
رسول الله صلى الله صادقا ؟ سؤال يريد به إحراج الحسن من جهة وتشكيكه في حديث رسول الله
من جهة أخرى . لكن الحسن رضي الله عنه كان حاضر البديهة . فأجاب بجواب مقنع مفحم حيث
أوضح له أن حالته التي يشكو منها إنما هي كالجنة بالنسبة إلى عذاب الآخرة الذي أعد
للكافرين وأن حالة الحسن التي ظنها نعيما إنما هي كالسجن بالنسبة إلى نعيم الجنة الذي أعد
المتقين .
قال ابن سيرين : تزوج الحسن امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم ولا
ريب أن كثرة الزواج والطلاق تحتاج إلى كثرة الانفاق .
قال سفيان بن عيينة : كثرة النساء ليست من الدنيا . وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال
له بعض ذوي الدين : ما الذي تنكر منهم ؟ قال : يأكلون كثير . قال : وأنت أيضا لو جعت كما
يجوعون لأكلت كما يأكلون . قال ينكحون .
كثيرا . قال : وأنت أيضا لو حفظت عينيك
وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون .
وجه الحسن ذات يوم بعض أصحابه لطلاق امرأتين من نسائه وقال لهما : اعتدا وأمره أن
يدفع إلى كل واحدة منهما عشرة آلاف درهم . ففعل . فلما رجع إليه ، قال : ماذا فعلت ؟ قال :
أما إحداهما فنكست رأسها وتنكست ، وأما الأخرى فبكت وانتحب وسمعتها تقول : ( متاع
قليل من حبيب مفارق ) .
فأطرق الحسن وترحم لها . وقال : لو كنت مراجعا امرأة بعد ما فارقتها لراجعتها .
ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقيه المدينة ورئيسها ولم
يكن له بالمدينة نظير وبه ظربت المثل عائشة رضي الله عنها حيث قالت : ( لو لم أسر مسيري
ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشر ذكرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ) فدخل عليه الحسن في بيته فعظمه عبد الرحمن وأجلسه
في مجلسه . وقال : ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك ؟ فقال : الحاجة لنا . قال : وما هي ؟ قال :
جئتك خاطبا ابنتك . فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال : والله ما على وجه الأرض أحد
يمشي عليها أعز علي منك ، ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما
سرها وأنت مطلاق فأخاف أن تطلقها ، وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي عليك فأنت بضعة
من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك . فسكت
الحسن
وقام وخرج .
وقال أهل بيته سمعناه وهو يمشي ويقول : ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقا
في عنقي .
وليس لكثرة زواج الحسن علاقة بتسليم الأمر لمعاوية كما وهم المستشرقون فإن توليه
الخلافة كان يسهل له كثرة الزواج والطلاق ، والاسلام يبيح له أن يتخذ من الرقيق ما شاء .
هذا وفي التاريخ ملوك كانوا يتخذون كثيرا من الجواري والمحظيات ومع ذلك لم يكن ذلك
سببا في تخليهم عن الملك وشاغلا لهم عن الحكم . بل روى لنا التاريخ أن من ملوك الإفرنج
الذين لا يبيح لهم دينهم تعدد الزوجات من اتخذ محظيات لا عدد لهن .
وقال الفاضل المعاصر الشريف علي بن الدكتور محمد عبد الله فكري الحسيني القاهري
المولود بها 1296 والمتوفى بها أيضا 1372 في ( أحسن القصص ) ( ج 4 ص 198 ط دار
الكتب العلمية في بيروت )
نسبه الشريف : هو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، وأمه السيدة البتول
سيدة النساء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا أشرف نسب .
مولده : ولد الحسن رضي الله عنه بالمدينة المنورة في منتصف رمضان سنة ثلاث من
الهجرة ، وهو أول أولاد الإمام علي رضي الله عنهما ، والسيدة فاطمة سيدة نساء العالمين .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس وأم سلمة رضي الله عنهما :
احضرا فاطمة فإذا وقع ولدها واستهل صارخا فأذنا في أذنه اليمنى ، وأقيما في أذنه اليسرى ،
فإنه لا يفعل ذلك بمثله إلا عصم من الشيطان ، ولا تحدثا شيئا حتى آتيكما .
فلما ولدت السيدة فاطمة فعلتا ما أمرهما به الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأتى الرسول
فسره ولبأه بريقه وقال : اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم .
ولما كان اليوم السابع من مولده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سميتموه ؟ قالوا :
حربا ( لميل العرب إلى الشجاعة ) قال : بل سموه حسنا . وقال : يا فاطمة احلقي رأسه ،
وتصدقي بزنة شعره فضة ، فوزناه فكان وزنه درهما أو بعض درهم ، ثم طلى رأسه بيده
المباركة وختمه صلى الله عليه وسلم .
وقد أرضعته ( أم الفضل ) امرأة العباس بن عبد المطلب .