نزول آية التطهير
في الحسن والحسين وجدهما النبي وأبويهما
الإمام علي بن أبي طالب وأم الحسنين فاطمة عليهم السلام
قد تقدم منا نقل ما يدل عليه عن كتب العامة في ج 2 ص 501 إلى 562 وج 3
ص 513 إلى 531 وج 9 ص 1 إلى ص 85 وج 14 ص 40 إلى ص 105 وج 18 ص 359
إلى ص 383 وج 24 ص 26 إلى ص 105 ، ونستدرك هيهنا عن الكتب التي لم نرو عنها
فيما سبق ( 1 ) :
هامش
( 1 ) قال الفاضل المعاصر موسى محمد علي في كتابه ( حليم آل البيت الإمام الحسن بن
علي رضي الله عنه ) ص 18 ط عالم الكتب - بيروت ) :
فضل أهل البيت رضي الله عنهم
يقول الله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
وأخرج الإمام أحمد في مسنده ، عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : إني تارك فيكم خليفتين ، كتاب الله عز وجل ، حبل ممدود ما بين السماء والأرض ،
أو ما بين السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
المحبة توجب الإيثار ، وتقديم مراد الحبيب على مراد المحب .
فإذا كان الحق تعالى ، يجب من العبد أن يحب لله وفي الله ، فمن لم يؤثر محبوب الله
على محبوب نفسه انسلخ من محبته لربه ، ومن خلا من محبة الله وقع في الشق الآخر في
خسرانه .
وأهل البيت هم الذين يؤثرون بالمحبة فهم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى
ظاهرها ، واشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها ، فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم ،
وتركوا منها ما علموا أنه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالا ، ودركهم لها قوتا .
أعداء ما سالم الناس من اللذة الفنية ، وسلم ما عادى الناس من العفة والعدالة النادرة .
بهم علم الكتاب ، وبه علموا .
وبهم قام الكتاب ، وبه قاموا .
لا يرون مرجوا فوق ما يروجون ، ولا مخوفا لهم فوق ما يخافون لهم فوق ما يخافون .
جلبت قلوبهم على محبته ، وصفت نفوسهم بملازمة شريعته .
لا يخشون إلا الله ، ولا يرجون مأمولا من أحد سواه . .
بالله ساروا وبه قاموا ، وعلى هديه سلكوا ، وبشرعه عملوا حتى صاروا نجوما في سماء
الولاية ، وقدوة حسنة في طريق الهداية .
لا يدخرون عن الله شيئا في مقدورهم ، ويؤثرونه على جميع الأشياء في جدهم
واجتهادهم .
ينفقون أبدانهم على الطاعات وفنون الأوراد والاجتهاد .
وأموالهم في إفشاء الخيرات وابتغاء القربات بوجوه الصدقات .
وقلوبهم في الطب ، ودوام المراعاة لحقوق الله .
وأرواحهم على صفاء المحبات والوفاء على عموم الحالات .
وأسرارهم على المشاهدات في جميع الأوقات .
ينتظرون إشارات المطالبات متشمرين للبدار والسعي ، إلى دقيق المطالعات والقرب .
ولقد كان من فضل الله تعالى على أوليائه أن أجرى سبحانه سنة معهم ، أنه إذا ضعفت
نياتهم ، أو تناقصت إرادتهم ، أو أشرفت قلوبهم على بعض فترة ، أراهم سبحانه من الألطاف
وفنون الكرامات ، ما يقوي به أسباب عرفانهم ، وتتأكد به حقائق يقينهم .
ذلك أنه سبحانه لا يسلط عليهم إلا بمقدار ما يصدق إليه فرارهم ، فإذا حق فرارهم إليه
تعالى ، أكرم لديه قرارهم ، وإن ضعفت نيات فرارهم إليه أعطاهم من ألطافه مل يحقق يقينهم
بالقرب منه .
وبما أن رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، عامة خالدة ، فإن لرسول الله صلى الله
عليه وسلم وارثا علماء عارفين من آل بيته .
ورثوا عن نبيهم العلم ، والتقوى ، فكانوا خلفاء عنه في الهداية ، والدعوة إلى الله تعالى ،
يقتبسون من نوره ، ليضيئوا للإنسانية طريق الحق والرشاد .
فمن أحبهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن
ربط حبله بحبالهم ، فقد اتصل بهم ، ومن اتصل بهم ، فقد استقى من نبع سيدنا محمد صلى
الله عليه وسلم .
هؤلاء الوراث من آل البيت هم الذين ينقلون للناس الدين ، ممثلا في سلوكهم ، حيا في
أحوالهم :
( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم
كذلك ) .
هؤلاء الوراث من آل البيت صحبتهم ترياق مجرب ، والبعد عنهم سم قاتل ، هم القوم لا
يشقى بهم جليسهم .
مرافقتهم هي العلاج الفعال لإصلاح النفوس ، وتهذيب الأخلاق ، وغرس العقيدة ، لأن
هذه الأمور : لا تنال إلا بالاقتداء والتأثر الروحي .
والطريق العملي الموصل للتزكية النفسية والتحلي بالكمالات الخلقية ، هو حب آل بيت
والأولياء ، الذين تشفى بملازمتهم ، وحضور مجالسهم ، من أمراضك القلبية ، وعيوبك
النفسية ، وتتأثر شخصيتك بشخصيتهم ، التي هي صورة عن الشخصية المثالية ، شخصية
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومن هنا يتبين خطأ من يظن أنه يستطيع بنفسه أن يعالج أمراضه القلبية ، ويتخلص من علله
النفسية ، فقد ثبت أن الانسان لا يستطيع أن يطبب نفسه بنفسه ، بل لا بد له من طبيب يكشف له
عن خفايا علله ، ويطلع على ما خفي عليه من دقائق مرضه .
بيد أن الذين سقمت ضمائرهم ، وضعفت في التحقيق بصائرهم ، تسبق إلى قلوبهم
مداراة الأعداء ، خوفا من معاداتهم ، وطمعا في المأمول من صحبتهم ، ولو استيقنوا أنهم
في أسر العجز ، وذل الإعراض والنفي والطرد ، لأملوا الموعود من كفاية الحق ، والمعهود
من جميل رعايته ، ولكنهم حجبوا عن محل التوحيد ، فتفرقوا في أودية الحسبان والظنون .
لذلك اضطربوا وخلطوا ، وتعسوا وحسبوا أنهم أحسنوا حتى اندرجوا في سلك
الاعتراض والطرد ، وسلكوا مسلك الهزيان والبعد ، واستباحوا حرمة الأولياء ولاكوا
بأضراسهم لحوم الأصفياء ، ونسوا أو تناسوا أنهم بعقيدتهم هذه ، وصنيعهم هذا عدوا
أنفسهم ممن قال الله تعالى فيهم :
( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلى خزي في
الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ) .
ذلك : أن الله سبحانه وتعالى مدح وأثنى على أهل البيت والأولياء في القرآن الكريم ،
بقوله تعالى :
رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ) .
ويقول سبحانه
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
ويقول تعالى :
( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) .
ويقول سبحانه :
( لهم ما يشاءون عند ربهم ) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ، حث كثيرا على حبهم ، ورغب أكثر في تقديرهم
واحترامهم ، كما أنذر ورهب من بغضهم ، وخوف وتوعد من كراهتهم وعدم محبتهم .
وعلى سبيل المثال لا الحصر ، نذكر جملة من الأحاديث الشريفة ، الثابتة الصحيحة ،
التي تبين لنا بوضوح واضح ، مكانة آل البيت ، وما لهم من فضل وولاء ، وتقدير واحترام .
أخرج الإمام البخاري في صحيحه ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن شريك
بسنده ، عن أم سلمة قالت :
في بيتي نزلت :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
وعن أبي بكر رضي الله عنه فيما أخرجه الإمام البخاري قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس ، ارقبوا محمدا في أهل بيته ) .
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده ، عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( يا بني عبد المطلب ، إني سألت الله لكم ثلاثا ) .
( أن يثبت قائمكم ، وأن يهدي ضالكم ، وأن يعلم جاهلكم ) .
( وسألت الله : أن يجعلكم جوداء ، نجداء ، رحماء ) .
وأخرج الطبراني في المعجم الكبير ، وابن عساكر عن محمد بن كعب القرظي بسنده ،
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( ما بال أقوام يتحدثون فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم ) ؟
( والذي نفسي بيده لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني ) .
وعن واثلة رضي الله عنه فيما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
( اللهم إنك جعلت صلواتك ، ورحمتك ، ومغفرتك ، ورضوانك ، على إبراهيم وآل
إبراهيم .
اللهم إنهم مني وأنا منهم ، فاجعل صلواتك ، ورحمتك ، ومغفرتك ، ورضوانك ، علي
وعليهم ) يعني عليا وفاطمة وحسنا وحسينا .
وأخرج ابن عساكر ، والحاكم في المستدرك ، على شرط البخاري ومسلم ، عن محمد بن
عبيد الله بن أبي رافع بسنده :
عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها أتت بابنيها - الحسن والحسين رضي
الله عنهما - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شكواه الذي توفي فيه فقالت :
( يا رسول الله هذان ابناك فورثهما شيئا ) ، قال :
( أما الحسن فقد نحلته حلمي وهيئتي ، وأما الحسين فقد نحلته نجدتي وجودي ) .
وأخرج أبو يعلى بإسناد جيد عن أم سلمة قالت :
( جاءت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
متوركة الحسن والحسين في يدها برمة للحسن فيها سخين حتى أتت بها النبي صلى الله عليه
وسلم فلما وضعتها قدامه قال :
أين أبو حسن ؟ قالت : في البيت ، فدعاه فجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلي ،
وفاطمة ، والحسن والحسين ، يأكلون .
قالت أم سلمة وما سامني النبي صلى الله عليه وسلم ، وما أكل طعاما وأنا عنده إلا سامنيه
قبل ذلك اليوم ، تعني سامني دعاني إليه ، فلما فرغ التف عليهم بثوبه ثم قال :
( اللهم عاد من عاداهم ، ووال من والاهم ) .
وعن شداد بن عبد الله أبي عمار قال :
دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا رضي الله عنه ، فلما قاموا قال :
ألا أخبركم بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : بلى .
قال : أتيت فاطمة رضي الله عنها ، أسألها عن علي قالت : توجه إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، ومعه حسن وحسين ، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله صلى عليه وسلم ،
ومعه حسن وحسين ، وأخذ كل واحد منهما بيد ، حتى دخل ، فأدنى عليا وفاطمة ، وأجلس
حسنا وحسينا ، كل واحد منهما على فخذه ، ثم لف عليهم ثوبه أو كسائه ثم تلا هذه الآية :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) وقال :
( اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحق ) .
أخرج الترمذي في سننه عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم :
( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر :
كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتى يردا
علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ) .
وأخرج الترمذي في سننه ، والحاكم في المستدرك على شرط البخاري ومسلم ، وأقره
الذهبي ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي ) .
وأخرج ابن عدي في الكامل ، والديلمي في مسند الفردوس عن علي رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( أثبتكم على الصراط أشدكم حبا لأهل بيتي ولأصحابي ) .
وأخرج الطبراني في المعجم الكبير ، وأبو الشيخ ، وابن حبان في صحيحه ، والبيهقي
مرفوعا ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
( لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه ، وتكون عترتي أحب إليه من عترته ،
ويكون أهلي أحب إليه من أهله ، وتكون ذاتي أحب إليه من ذاته ) .
وفيما أخرجه ابن ماجة في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
كنا نلقى قريشا وهم يتحدثون فيقطعون حديثهم ، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال :
( ما بال أقوام يتحدثون ، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي قطعوا حديثهم ؟
والله لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتهم مني .
وفي رواية أخرى عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ ما بال أقوام إذا جلس إليهم أحد من أهل بيتي قطعوا حديثهم ؟
والذي نفسي بيده ، لا يدخل قلب امرئ الإيمان حتى يحبهم لله ولقرابتي ] .
وأخرج الطبراني في معجمه ، والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
[ من سره أن يحيى حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن التي غرسها ربي ،
فليوال عليا من بعدي ، وليوال وليه ، وليقتد بأهل بيتي من بعدي ، فإنهم عترتي ، خلقوا من
طينتي ، ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي لا
أنالهم الله شفاعتي ) .
وأخرج الطبراني ، وابن حبان في صحيحه عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
( يا بني عبد المطلب إني سألت الله لكم ثلاثا :
أن يثبت قائمكم ، ويعلم جاهلكم ، ويهدي ضالكم .
وسألته أن يجعلكم جوداء ، نجداء ، رحماء .
فلو أن رجلا صفن بين الركن والمقام ، وصلى وصام ، ثم مات وهو مبغض لآل بيت
محمد صلى الله عليه وسلم ، دخل النار ) .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى باب علي
رضي الله عنه أربعين صباحا بعد ما دخل على فاطمة فقال :
السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته :
( اللهم ارض عنهم كما أنا عنهم راض ) .
وعن علي أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بسط شملة فجلس عليها وهو
وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، ثم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمجامعه فعقد عليهم ثم
قال :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح .
وأخرج الإمام أحمد في مسند والبيهقي في السنن عن عائشة أنها قالت :
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه [ مرط ] مرحل من شعر أسود ،
فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه ، ثم جاء علي فأدخله فيه ، ثم جاء حسن فأدخله فيه ، ثم جاء
حسين فأدخله فيه ، ثم قال :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
وعن أم سلمة أنها قالت بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي يوما إذ قالت
الخادم ، إن عليا وفاطمة بالسدة .
فقال لها : قومي فتنحي لي عن أهل بيتي ؟
قالت : فقمت فتنحيت في البيت قريبا ، فدخل علي وفاطمة ، ومعهما الحسن والحسين ،
وهما صبيان صغيران ، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما ، واعتنق عليا بإحدى
يديه ، وفاطمة باليد الأخرى ، فقبل فاطمة وقبل عليا فأغدق عليهما خمصة سوداء فقال :
( اللهم إليك لا إلى النار ، اللهم إليك لا إلى النار ، أنا وأهل بيتي ) .
فقلت : وأنا يا رسول الله ؟ فقال : وأنت .
ورواه الحاكم مختصرا ، وفيه أنه أرسل إلى حسن وحسين وعلي وفاطمة فانتزع كساءه
عني فألقاه عليهم وقال :
( اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) .
وروي بألفاظ متعددة ، ففي لفظ لأبي يعلى أنه وضع يديه على الكساء فقال :
( - اللهم إن هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد إنك حميد مجيد ،
قالت فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه وقال إنك على خير ) .
وفي لفظ لأبي يعلى أنه قال :
( اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ) .
وأخرج الحافظ العراقي عن عطية العوفي أنه سأل أبا سعيد الخدري عن قوله عز وجل :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) الآية :
فأخبره أنها أنزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلي وفاطمة والحسن والحسين ،
رضي الله عنهم .
ويعلق قتادة رضي الله عنه على هذه الآية فيقول :
هم أهل بيت طهرهم الله من السوء واختصهم برحمته .
وحدث الضحاك بن مزاحم رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :
( نحن أهل بيت ، طهرهم الله ، من شجرة النبوة ، وموضعا لرسالة ، ومختلف الملائكة ،
وبيت الرحمة ، معدن العلم ) .
وأخرج الطبراني في المعجم الكبير عن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها :
نبينا خير الأنبياء وهو أبوك .
وشهيدنا خير الشهداء ، وهو عم أبيك حمزة .
ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث شاء ، وهو ابن عم أبيك جعفر .
ومنا سبطا هذه الأمة : الحسن والحسين ، وهما ابناك ومنا المهدي ) ا ه .
وأخرج الحافظ العراقي وأبو يعلى عن علي رضي الله عنه أنه قال :
( خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة فباع علي درعا له وبعض ما باع من
متاعه فبلغ أربعمائة وثمانين درهما ، فأمره النبي أن يجعل ثلثيه في الطيب ، وثلثه في
الثياب ، ومج في جرة من ماء ، وأمرهم أن يغتسلوا به ، وأمرها أن لا تسبقه برضاع ولدها ،
فسبقته برضاع الحسين ، وأما الحسن فإنه صنع في فيه شيئا لا يدري ما هو ، فكان أعلم
الرجلين ) ا ه .
وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما ، فيما أخرجه الطبراني في الأوسط ، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال :
( الزموا مودتنا أهل البيت ، فإنه من لقي الله عز وجل ، وهو يودنا ، دخل الجنة بشفاعتنا ،
والذي نفسي بيده ، لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا ) .
والقرآن الكريم - كما سبق أن ذكرنا - أوضح مكانة أهل البيت في كثير من آياته ، والسنة
الشريفة الصحيحة المطهرة كذلك عامرة بالكثير والكثير من الأحاديث التي تشيد بذكرى آل
البيت ، وبيان ما لهم من فضل ، وما هم عليه من صفاء الروح وطهارة القلب وتزكية النفس ،
ويكفي أهل البيت شرفا وفخرا وتعظيما ) أن جدهم رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ،
الذي اصطفاه الله لرسالته ، وأرسله للعالمين رحمة ، بل ويكفي آل البيت شرفا وتقديرا ، أن
الصلاة على جدهم صلى الله عليه وسلم ، بها كمال الصلاة المفروضة وتمامها .
ولقد أخذ الإمام الشافعي بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ،
ولذلك قال رضي الله عنه ، في هذا المعنى ، مشيرا إلى وصفهم ، ومنبها على ما خصهم الله
تعالى به من رعاية فضلهم ، ووجوب محبتهم ، وتحريم بغضهم التحريم الغليظ بقوله :
يا أهل بيت رسول الله حبكموا * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكموا من عظيم الأجر أنكموا * من لم يصل عليكم لا صلاة له
وحب آل البيت يتمثل خير ما يتمثل في إكرامهم في حياتهم ) وبعد مماتهم ، وإكرامهم
على هذا النحو إن ما يكون بمحبتهم وتعظيمهم وتقديرهم واحترامهم ، مع مراعاة الأدب
معهم استجابة لأمر ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحقيقا لدعوته إذ قال صلوات الله
وسلامه عليه :
( أولادي ، أولادي إن أحسنوا فلأنفسهم ، وإن أساءوا فالضمان علي ) .
وبعد : فقد أخرج الترمذي ، والطبراني في المعجم الكبير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم
والبيهقي معا في الدلائل ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إن الله قسم الخلق قسمين ، فجعلني في خيرهما قسما ، فذلك قوله :
( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين * وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال ) .
وأنا من أصحاب اليمين ، وأنا خير أصحاب اليمين ) .
ثم جعل القسمين أثلاثا ، فجعلني من خيرها ثلثا فذلك قوله :
( فأصحاب الميمنة * ما أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة *
فالسابقون السابقون ) .
فأنا من السابقين ! وأنا خير السابقين .
ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني في خيرها قبيلة ، وذلك قوله :
( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر .
ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا ، فذلك قوله :
وفيه أحاديث :
( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب .
وقال العلوي الجليل أبو الحسين زيد الشهير ابن سيد الساجدين علي بن الحسين عليه
السلام في ( الصفوة ) ( ص 9 نسخة مكتبة صنعاء في اليمن ) :
ثم قال : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فقد أعلمتم
أن جهالا من الناس يزعمون أن الله إنما أراد بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
خاصة ، فانظر في القرآن فإن جعل أهل الأنبياء أزواجهم في الكتاب الذي أنزل عليهم
فصدقوه ، وإن كان سمى للأنبياء أهل سوى أزواجهم فهذه الجهالة بأمر الله ، أرأيت نوحا
ولوطا عليهما السلام حيث أمر بترك امرأتيهما أليس قد كان أهلها سواهما ؟ قال عز وجل
لنوح ( احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ) وقال ( إن
لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ) وقال ليوسف
صلى الله عليه وسلم ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته
عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك ) ، أفترى أن آل يعقوب إلا النساء . ثم قال
( سلام على آل ياسين ) وقال لإسماعيل صلى الله عليه ( وكان يأمر أهله بالصلاة
والزكاة ) .
وقال في الصفوة : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين )
وقال ( رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ) أفترى أن الله تبارك وتعالى
أراد بهذه الصفوة نساءهم ؟ أم هي خاصة لأهل بيت النبوة ؟ أم رأيت موسى صلى الله عليه
حين يقول : ( واجعل لي وزيرا من أهلي ) أهله الذين سأل منهم الوزير أزواجه ، أرأيت أن
يقول لقوم صالح صلى الله عليه ( قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا
مهلك أهله وإنا لصادقون ) ، أليس يرى أن له أهلا وأن له ولدا دون قومه ؟ وقال زكريا صلى
الله عليه ( واجعل لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا ) ، أفلا
ترى أن للأنبياء بأولياء دون قومهم ؟ وهل ترى ذلك كله في ذكر الأنبياء قبل محمد صلى الله
عليه أوتي أهلا ، فما أهل الأنبياء بأعدائهم وما أعداء الأنبياء بأهليهم ؟ فانظروا في أهل بيت
نبيكم ومن كان أهل العداوة من قومه .