تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح إحقاق الحق — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
حديث ( لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفوء ) رواه جماعة من أعلام العامة في كتبهم : فمنهم العلامة شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي في كتاب ( فردوس الأخبار ) ( ج 3 ص 373 ط بيروت ) قال : عن أم سلمة [ عن النبي صلى الله عليه وسلم ] : لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفوء ( 1 )
هامش
1 ) قال الفاضل المعاصر عبد العزيز الشناوي في كتابه ( سيدات نساء أهل الجنة ) ص 102 ط مكتبة التراث الاسلامي - القاهرة . زواجها علي بن أبي طالب : وعرف ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر فارس الاسلام ، فقد فعل بمشركي قريش الأفاعيل ، وكان يدخل بيت النبي عليه الصلاة والسلام ويرى فاطمة الزهراء التي بلغت من العمر الثامنة عشر وصارت زهرة متفتحة ولم يخطر لعلي بن أبي طالب الزواج آن ذاك . وعلى الرغم من منزلة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم - كانا وزيريه يستشيرهما في مهام أموره - إلا أن كل منهما كان يسعى جاهدا أن يوثق عرى صلته بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فقد سبقهما ذو النورين وتزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما ماتت عقب وقعة بدر تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت النبي عليه الصلاة والسلام . وجاء أبو بكر الصديق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد بين يديه وقال : يا رسول الله علمت مناصحتي وقدمي - سبقي وتقدمي على غيري - في الاسلام وإني . . . فتساءل النبي عليه الصلاة والسلام : وما ذاك ؟ قال أبو بكر الصديق : تزوجني فاطمة . فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم في كياسة وقال : يا أبا بكر أنتظر بها القضاء . فرجع أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وقال : إنه ينتظر أمر الله فيها . فقال عمر بن الخطاب : ردك يا أبا بكر . ثم إن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص اخطب فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فانطلق أبو حفص إلى النبي عليه الصلاة والسلام فوجده في مسجده يصلي ، فلما فرغ من صلاته اقترب منه وقعد بين يديه وقال : يا رسول الله زوجني فاطمة . فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ردا جميلا كما فعل مع أبي بكر وقال : يا عمر انتظر بها القضاء . فرجع أبو حفص إلى أبي بكر وقال له : إنه ينتظر أمر الله فيها . فقال أبو بكر الصديق : ردك يا عمر . في هذه الأثناء كانت مولاة علي بن أبي طالب تحوم حوله تريد أن تقول شيئا ولكنها كانت مترددة ، فسألها : ما وراءك ؟ قالت : هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال علي بن أبي طالب : لا . قالت مولاة علي : قد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك ؟ وراحت ترجوه . قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : انطلق بنا إلى علي نأمره أن يطلب مثل ما طلبنا . فأتى أبو بكر وعمر عليا فقالا : بنت عمك تخطب . فنبهاه لأمر كان عنه غافلا ، فقام علي يجر رداءه طرفه على عاتقه وطرفه الآخر في الأرض ، حتى انتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقعد بين يديه وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جلالة وهيبة ، فأفحم علي ولم يستطع أن يتكلم ، فتساءل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ فسكت ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم . فعاد النبي عليه الصلاة والسلام يتساءل : ما جاء بك ألك حاجة ؟ فسكت علي بن أبي طالب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك جئت تخطب فاطمة ؟ فقال علي : نعم علمت قدمي في الاسلام ومناصحتي وإني . . . فأمهله رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستشيرها ، فدخل عليها فقال : أي بنية أن ابن عمك عليا قد خطبك فماذا تقولين ؟ فسكت الزهراء ثم قالت : كأنك يا أبت ادخرتني لفقير قريش . فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام الدمع يترقرق في عيني ابنته سألها : مالك تبكين يا فاطمة ؟ فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علما وأفضلهم حلما وأولهم سلما ، ما آليت أن أزوجك خير أهلي ، والذي بعثني بالحق ما تكلمت في هذا حتى أذن لي الله فيه من السماء . فقالت الزهراء : رضيت بما رضي الله ورسوله . فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهلل بشرا ، وخرج إلى علي بن أبي طالب وقال له : هل عندك من شئ تستحلها به ؟ قال ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا والله يا رسول الله . فتساءل النبي عليه الصلاة والسلام : وأين درعك الحطمية التي تحطم السيوف ؟ قال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم : عندي قال النبي عليه الصلاة والسلام : أصدقها إياها - ثمنها أربعمائة درهم . وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خادمه أنس بن مالك أن يدعو أبا بكر وعمر وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وبعدتهم من الأنصار . فانطلق ودعاهم . فلما أخذوا مجالسهم نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ربيبه وقال : يا علي اخطب لنفسك . فقال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحمد لله شكرا لأنعمه وأياديه ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني ابنته فاطمة على صداق مبلغه أربعمائة درهم فاسمعوا ما يقول واشهدوا ) . قالوا : ما تقول يا رسول الله ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع لسلطانه ، المهروب إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ونيرهم بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم . إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا وحكما عادلا وخيرا جامعا ، أوشج بها الأرحام وألزمها الأنام ، فقال الله عز وجل ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وأمر الله يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل أجل كتاب ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ، ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أنني زوجت عليا على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأمة ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ) . فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله هذا خر ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدا شكرا لله ، فلما رفع رأسه قال النبي عليه الصلاة والسلام بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيب . ثم أمر لأصحابه بطبق فيه تمر ، فوضع بين أيديهم ، فقال عليه الصلاة والسلام انتهبوا . وجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل - قطيفة - وقربة ووسادة أدم - جلد - حشوها اذخر - حشيشة رطبة طيبة الرائحة - وتورة من أدم - إناء يغسل فيه - وسقاء ومنخل ومنشفة ورحاءين وجرتين وقدح . وبعد أربعة أشهر من العقد كان الزفاف في رمضان من السنة الثانية من الهجرة . وكانت اليهود يأخذون الرجل عن امرأته - يحولون بين المرء وزوجته عند اللقاء - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : لا تقربن أهلك حتى آتيك . وجاء النبي عليه الصلاة والسلام فضرب الباب ، فقامت أم أيمن ففتحت له الباب ، فتساءل صلى الله عليه وسلم : يا أم أيمن ادعي لي أخي . فقالت أم أيمن في عجب : أخوك هو وتنكحه ابنتك ؟ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار وآخى بينه وبين علي بن أبي طالب . قال النبي عليه الصلاة والسلام : إن ذلك يكون يا أم أيمن . فجاءت أم أيمن بفاطمة حتى قعدت في جانب البيت وعلي في جانب آخر ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لابنته فاطمة : ائتني بماء . فقامت تعثر في ثوبها من الحياء ، فأتته بقعب فيه ماء ، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال لفاطمة : تقدمي . فتقدمت الزهراء يفوح منها عطر طيب - فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن رباح بأن يشتري بثلث الصداق طيبا - فنضح على رأسها ومسح صدرها ثم قال : اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم . ثم قال صلى الله عليه وسلم : ائتوني بماء . فأدرك ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يريده ، فقام وملأ القعب وأتاه به ، فأخذه وصنع به كما صنع بفاطمة ودعا له بما دعا لها به ، ثم قال : اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في شملهما . وتلا المعوذتين ( قل أعوذ برب الفلق ) و ( قل أعوذ برب الناس ) . ثم رأى سوادا من وراء الباب فتساءل : من هذا ؟ قالت أسماء بن عميس - زوجة جعفر بن أبي طالب : أسماء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسماء بنت عميس ؟ قالت : نعم يا رسول الله . فعاد صلى الله عليه وسلم يتساءل : جئت كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت أسماء بنت عميس : نعم إن الفتاة ليلة يبنى بها لا بد لها من امرأة تكون قريبة منها إن عرضت لها حاجة أفضت ذلك إليها . تقول أسماء بنت عميس : فدعا لي بدعاء إنه لأوثق عملي عندي . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : ادخل بأهلك باسم الله والبركة . وكان فراش فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب إهاب كبش - فروة خروف - ومكث النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام لا يدخل على فاطمة ، وفي اليوم الرابع دخل عليهما في غداة باردة وهما في قطيفة لهما إذا جعلاها بالطول انكشف ظهراهما وإذا جعلاها بالعرض انكشف رؤوسهما ، فلما رأياه صلى الله عليه وسلم هما بالنهوض فقال لهما : كما أنتما . وجلس النبي عليه الصلاة والسلام عند رأسيهما ، ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما فأخذ علي إحداهما فوضعها على صدره وبطنه ليدفئها ، وأخذت فاطمة الأخرى فوضعتها كذلك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي إنه لا بد للعرس من وليمة . فلما علم سعد بن معاذ سيد بني عبد الأشهل ذلك قال : عندي كبش . وجمع لعلي من الأنصار أصوعا من ذرة ، فكانت وليمة في ذلك الزمان أفضل وليمة . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة ما شاء الله أن يقول من الحكمة ثم قال : أما إني لم آلك أن أنكحتك أحب أهلي إلي . وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته بخدمة البيت ، وقضى على ربيبه بما كان خارج البيت ، وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام ابنته خيرا بعلي ، ثم قال : زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة ، وإنه لأول أصحابي اسلاما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما . يقول سليمان الفارسي : بعد أن تزوج علي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النبي عليه الصلاة والسلام : أول هذه الأمة ورودة علي الحوض أولها اسلاما علي بن أبي طالب . كان ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منزلا مستأجرا ، فجاء حارثة بن النعمان النبي عليه الصلاة والسلام فقال له : يا رسول الله بلغني أنك تحول فاطمة إليك وهذه منازلي وهي أسقف بيوت بني النجار بك ، وإنما أنا ومالي لله ولرسوله ، والله يا نبي الله المال الذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع . فقال النبي عليه الصلاة والسلام : صدقت بارك الله عليك . ولم تكن حياة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت علي بن أبي طالب مترفة ولا ناعمة ، فذكرت الزهراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقر علي ، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام : إنه سيد في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ، وإنه أكثر الصحابة علما وأفضلهم حلما وأولهم اسلاما . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته وزوجها : لا يخافن أحد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ، ولا من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم . ما أبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول : الله أعلم . وكان علي بن أبي طالب فقيرا زاهدا ، فلم يستطع أن يستأجر لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما لتعينها أو تقوم عنها بالعمل الشاق ، فكان علي يساعد الزهراء في بعض أعمال البيت . وذات يوم رجع النبي عليه الصلاة والسلام من إحدى غزواته ، فقال علي لفاطمة : والله لقد سنوت - شقوت - حتى قد اشتكيت صدري ، وقد جاء الله أباك بسبي - بصبي - فاذهبي فاستخدميه . فقالت الزهراء : والله قد طحنت حتى مجلت - تقطعت من العمل وظهرت فيها فقاعات ملتهبة - يداي . فأتت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآها سألها : ما جاء بك أي بنية ؟ فقالت الزهراء في استحياء : جئت لأسلم عليك . واستحيت أن تسأله صلى الله عليه وسلم ، ورجعت إلى بيتها ، فقال علي بن أبي طالب : ما فعلت ؟ قالت فاطمة : استحييت أن أسأله . فانطلقا معا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله من الله عليك بسبي وسعة فأخدمنا - امنحنا خادما يعيننا على حياتنا - وقالت الزهراء : قد طحنت حتى مجلت يداي وقد أتى الله بسبي وسعة فأخدمنا . فقال النبي عليه الصلاة والسلام : والله لا أعطيكما وادع أهل البيعة - الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم واحفظ عليهم إيمانهم . فرجع علي وفاطمة إلى دارهما ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لحق بهما وقال لهما : ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ قال علي بن أبي طالب : بلى . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلمات علمنيهن جبريل : تسبحان في دبر كل صلاة عشرا ، وتحمدان عشران ، وتكبران عشرا ، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين ، وتحمدان ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين . ويقول علي بن أبي طالب : فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الفاضل المعاصر محمود شلبي في ( حياة فاطمة عليها السلام ) ص 120 ط دار الجيل بيروت : قصة الزواج الشريف في سطور قال صاحب كتاب ( حياة أمير المؤمنين ) كان أبو بكر أول من عرض إلى خطبة الزهراء عليها السلام ، فرده الصادق الأمين ردا جميلا قائلا : يا أبا بكر لم ينزل القضاء بعد . وقد سمع بالأمر عمر ، فتقدم إلى النبي الكريم بما تقدم إليه رفيقه وصاحبه فأعاد عليه الجواب نفسه . وعندئذ ذهب أبو بكر وأبو حفص إلى عبد الرحمن بن عوف يطلبان منه الخطبة وقالا له : أنت أكثر قريش مالا ، فلو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبت فاطمة زادك الله مالا إلى مالك وشرفا إلى شرفك . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله زوجني فاطمة . فأعرض عنه رسول الله ، فأتاهما فقال : قد نزل بي مثل الذي نزل بكما . . . فتوجها إلى علي وقالا له : قد عرفنا قرابتك من رسول الله وقدمك في الاسلام فلو أتيت رسول الله فخطبت إليه فاطمة لزادك الله فضلا إلى فضلك وشرفا إلى شرفك . وقال غيرهما من أصحاب الرسول - كما روى ذلك أنس بن مالك - لعلي : لو خطبت إلى النبي لخليق أن يزوجكها . ويحدثنا ابن عباس فيقول : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر فلا يذكرها أحد لرسول الله إلا أعرض عنه ، فقال سعد بن معاذ الأنصاري لعلي عليه السلام : إني والله ما أرى رسول الله يريد بها غيرك . تقدم الوصي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجلس بين يديه وقد أحجم فلا يستطيع الكلام . فسأله الرسول حاجته فسكت ، وليس من عادته السكوت ولا الإحجام . فعرف صلى الله عليه وسلم أنه جاء يخطب الزهراء ، وإنه قد منعه عن التكلم الحياء فأعاد صلى الله عليه وسلم السؤال ، فقال : ما حاجة علي ؟ قال : يا رسول الله ذكرت فاطمة بنت رسول الله . فقال : مرحبا وأهلا . وخرج سلام الله عليه على أولئك الرهط من الأنصار وكانوا ينتظرونه ، فقالوا : ما وراءك ؟ فأخبرهم الخبر فقالوا : يكفيك من رسول الله أحدهما أعطاك الرحب وأعطاك الأهل . وقد فهم الناس من جواب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أن الوحي قد نزل وإن الله اختار عليا زوجا للزهراء ، وباتوا جميعا ينتظرون إعلان الرسول لهذا الأمر . أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النخبة الممتازة من أصحابه من مهاجرين وأنصار ، فلما التام الجمع قال صلى الله عليه وآله : ( الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه ، المرهوب من عذابه وسطوته ، النافذ أمره في سمائه وأرضه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، وميزهم بأحكامه ، وأعزهم بدينه ، وأكرمهم بنبيه ، إن الله تبارك اسمه وتعالت عظمته جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا ، أوشج به الأرحام وألزم الأنام ، فقال عز من قائل ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) فأمر الله يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكل قضاء قدر ولكل قدر أجل ، ولكل كتاب ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب ، فاشهدوا أني زوجته على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي بذلك علي بن أبي طالب ) . ثم دعا بطبق من بسر فوضعت بين أيدينا ثم قال : انتبهوا فانتبهنا . . . هكذا يحدث أنس بن مالك . . . ويقول أيضا : فبينا نحن ننتهب إذ دخل علي رضي الله عنه على النبي ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه ، ثم قال : إن الله قد أمرني أن أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت بذلك . فقال : قد رضيت بذلك يا رسول الله . فقال الرسول : جمع الله شملكما وأسعد جدكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرا طيبا . . . وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما زوجها عليا قالوا في ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا زوجته ولكن الله زوجه . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس ، وقد سأله : أتحب عليا ؟ ( يا عم والله لله أشد حبا له مني ، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في صلب هذا . . . وقال الفاضل المعاصر الشريف علي فكري بن الدكتور محمد عبد الله الحسيني القاهري المولود بها سنة 1296 والمتوفى بها أيضا سنة 1372 في كتابه ( أحسن القصص ) ج 5 ص 52 ط دار الكتب العلمية في بيروت : 3 - السيد فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة النساء . نسبها . . . السيد فاطمة الزهراء رضي الله عنها من أشرف نساء قريش نسبا ، وأطهرهن حسبا ، وأنقاهن سيرة ، وأشدهن غيرة على الاسلام . مولدها - ولدت فاطمة الزهراء ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم من أمنا السيد خديجة الكبرى رضي الله عنها قبل ما تبنى الكعبة بخمس سنين ، والنبي صلوات الله عليه ابن خمس وثلاثين سنة ، أي قبل هجرته المباركة بسبعة عشر عاما وكانت أصغر بناته وأحبهن إليه . كانت سيدة النساء فاطمة مباركة ذات خلق حسن ، وخلق أحسن ، تربت تربية عالية في دار النبوة ، فنشأت نشأة صالحة ، وأنبتها الله نباتا حسنا ، ( أصلها ثابت وفرعها في السماء ) فكانت خير النساء ، وسميت فاطمة لأن الله فطمها وحفظها من النار . زواجها - تزوجت السيد فاطمة الزهراء من الإمام علي ( ابن عم النبي ) كرم الله وجهه في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية المباركة ، وبنى بها في ذي الحجة من السنة المذكورة . ولقد كانت سيدة النساء وقتئذ في أزهى أوقات الحياة في التاسعة عشر من عمرها ، أما الإمام علي فقد كان يبلغ الحادية والعشرين ، كلاهما شخصيتان بارزتان يحيط بهما جلال الإيمان ونور الهدى ، متكافئان متعادلان من كل الوجوه ، مناسب أحدهما للآخر كل المناسبة ، كلاهما عالي الفكر ، رقيق الحس ، حميد الخلق ، صبيح الوجه ، فكلاهما زوجان متصفان بالمعالي ، مشهوران بالمحامد ، فهما خيار من خيار . بدأت حياتهما المشتركة التي امتزجت فيها الفضيلة بالكمال ، والجلال بالجمال على هذا الوجه من الصفاء والوفاء والاخلاص . حضر الإمام علي ذات يوم من أيام السنة الثانية للهجرة إلى دار النبوة بنفسه وبعد أن دخل الدار سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وسكت ، فسأله الرسول ماذا يطلب ؟ فرد عليه مجيبا بأنه حضر ليطلب كريمته السيدة فاطمة . فقال له الرسول : مرحبا وأهلا ، ولم يزد على ذلك ، بل ظل ساكتا بعدها ، مما اضطر عليا إلى العودة حائرا مدهوشا . لم يستطع الإمام علي أن يميز وجه الحقيقة من رد الرسول ، فسأل بعضا من الأنصار ، فبشروه وطيبوا خاطره ، وأفهموه بأن في هذا الرد ما يشعر بالقبول والايجاب ، ففرح الإمام واغتبط بذلك ، وبعد قيام الإمام علي طلب الرسول صلوات الله عليه كريمته السيدة فاطمة وأخبرها بهذا الأمر ، وسألها رأيها فيه ، فلم تجبه ، بل اطرقت ساكتة ، فعد الرسول سكوتها علامة الايجاب والرضى . فقرر إتمام عقد الزواج ، ثم أرسل يطلب عليا كرم الله وجهه وسأله هل عنده من شئ ؟ فأجابه : إنه لا يملك سوى فرسه ودرعه ، فأمره ببيع الدرع لتجهيز السيد فاطمة بثمنها . هرع علي إلى السوق فباع الدرع إلى عثمان بن عفان بأربعمائة وسبعين درهما ، وعاد بالثمن معقودا في طرف ثوبه ووضعه أمام الرسول وهو يقول : هاهو بدل الدرع يا رسول الله . فقبض الرسول بعض الدراهم منها ، وناولها بلالا ليشتري بعض الطيب والروائح ويسلم الباقي إلى ( أم سلمة ) لتشتري الجهاز . وبعد أن أحضرت أم سلمة الجهاز دعا الرسول صلى الله عليه وسلم جمعا غفيرا من الأنصار ثم خطبهم خطبة بليغة وهي : ( الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع سلطانه ، المهروب إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، وميزهم بأحكامه ، وأعزهم بدينه ، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسبا لاحقا ، وأمرا مفترضا ، وحكما عادلا ، وخيرا جامعا ، وشج به الأرحام ، وألزمها الأنام ، فقال عز وجل : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وأمر الله تعالى يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكل قضاء قدر ، ولكل قدر أجل ، ولكل أجل كتاب ، يمحو الله ما يشاء ، وثبت وعنده أم الكتاب ، ثم أن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة ، والفريضة الواجبة ) . ثم دعا لهما عقب ذلك بحسن المعاشرة ، وبالذرية الصالحة ، وعندما تم عقد الزواج على هذا الوجه البسيط أحضر الرسول للحاضرين من الأنصار وعاء فيه بعض التمر وقدمه إليهم بقوله : تخاطفوا . هكذا تم زفاف سيدة النساء ، وابنة فخر الكائنات بلا ضجيج ولا ضوضاء ولكنه بالسرور الذي ملأ القلوب بالهناء والصفاء . وبعد أن تفرق المدعون طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة وأمرها بأن تذهب بكريمته إلى دار علي ، وأن تخبرهما أنه آت إليهما عن قريب . فنفذت أمره وسارت بسيدة النساء إلى دار زوجها . أما الرسول فقد صلى صلاة العشاء . ويمم عقب الصلاة دار علي وفي يده قربة من الجلد تستعمل لسقي الماء ، وعند وصوله دار صهره قرأ عليها سورتي المعوذتين ، وبعضا من الأدعية ، وأمرهما بأن يشربا ويتوضأ من الإناء ، ثم أخذ قليلا منه ونثره على رأسيهما ، وعندما أراد مفارقتهما وقد هم بالانصراف كانت فاطمة رضي الله عنها تبكي فخاطبها بما معنا : ( أي بنتي قد تركتك وديعة عند رجل إيمانه أقوى من إيمان أي إنسان آخر ، وعلمه أكثر من علم الجميع ، إنه أفضل قومنا أخلاقا ، وأعلاهم نفسا ) . على هذا الوجه تم عقد الشركة القلبية بين سيدة النساء فاطمة الزهراء والإمام علي كرم الله وجهه . أحب الإمام علي زوجته سيدة النساء ، وعاشا عيشة راضية ، ورزقت منه خمسة أولاد ، ثلاثة ذكور : وهم حسن وحسين ومحسن ، وبنتان : أم كلثوم وزينب ، وقد مات محسن صغيرا . كانت السيدة فاطمة رضي الله عنها ذات عقل ودراية ، عالية النفس ، تجيد الشعر ، وتعرف مسائل الفقه والشريعة ، ولها إلمام بالتاريخ ، ولم يأخذها الغرور يوما لعلو منزلتها في الاسلام . وكان سلسة القياد ، حلوة اللسان ، تحب معونة الفقراء كزوجها علي . روي عنها أحاديث نبوية كثيرة ، ونظمت قصائد ذات أبيات عامرة ، وأظهرت دراية ومهارة في كثير من المعضلات . كانت السيد فاطمة تشابه أباها في كلامها ، وتحاكيه صلى الله عليه وسلم في مشيها ، ومحاكاة تثير دهشة الناس . أما محبتها لوالدها فخر الكائنات ، فكانت محبة خارقة للعادة من أعماق القلب والروح . وكانت محبوبة من أهلها يحبها الجميع ، وقد تركت ذكريات حسنة في قلب كل إنسان عرفها أثناء العشر السنوات التي مضت من يوم زواجها حتى ساعة وفاتها . وكان الإمام علي ينفذ لها كل طلب ويعمل بكل كلمة تقولها . وكان أولادها يطيعونها ويحترمونها في كل حين . وكانت تحب أولادها وتعتني بشأنهم ، وكانت في صلاتها وعبادتها ومبراتها وخيراتها من أكثر السيدات أنسا في محفل ربات الخدور . وقد قضت حياتها السعيدة حتى السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية المباركة وهي تجبر القلوب الكسيرة ، وتعين المحتاجين ، وتغيث الملهوفين ، وقد ظلت هذه الحياة السعيدة على هذه الوتيرة حتى السنة المذكورة التي انتقل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه ، إلى الرفيق الأعلى ، فتناثرت أوراق تلك السعادة ، وأظلم قلبها ، وهكذا الدهر إذا صفا يوما ففي غدا يتقلب .