حديث
( لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة كفوء )
رواه جماعة من أعلام العامة في كتبهم :
فمنهم العلامة شيرويه بن شهردار بن شيرويه الديلمي في كتاب
( فردوس الأخبار ) ( ج 3 ص 373 ط بيروت ) قال :
عن أم سلمة [ عن النبي صلى الله عليه وسلم ] : لو لم يخلق علي ما كان لفاطمة
كفوء ( 1 )
هامش
1 ) قال الفاضل المعاصر عبد العزيز الشناوي في كتابه ( سيدات نساء أهل
الجنة ) ص 102 ط مكتبة التراث الاسلامي - القاهرة .
زواجها علي بن أبي طالب :
وعرف ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وقعة بدر فارس الاسلام ،
فقد فعل بمشركي قريش الأفاعيل ، وكان يدخل بيت النبي عليه الصلاة والسلام
ويرى فاطمة الزهراء التي بلغت من العمر الثامنة عشر وصارت زهرة متفتحة ولم
يخطر لعلي بن أبي طالب الزواج آن ذاك .
وعلى الرغم من منزلة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم - كانا وزيريه يستشيرهما في مهام أموره - إلا أن كل منهما كان
يسعى جاهدا أن يوثق عرى صلته بالنبي عليه الصلاة والسلام ، فقد سبقهما ذو
النورين وتزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما ماتت عقب وقعة
بدر تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت النبي عليه الصلاة والسلام .
وجاء أبو بكر الصديق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد بين يديه وقال :
يا رسول الله علمت مناصحتي وقدمي - سبقي وتقدمي على غيري - في الاسلام
وإني . . .
فتساءل النبي عليه الصلاة والسلام : وما ذاك ؟ قال أبو بكر الصديق : تزوجني
فاطمة . فرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم في كياسة وقال : يا أبا بكر أنتظر بها
القضاء . فرجع أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وقال : إنه ينتظر أمر الله فيها . فقال
عمر بن الخطاب : ردك يا أبا بكر .
ثم إن أبا بكر قال لعمر بن الخطاب : يا أبا حفص اخطب فاطمة إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم . فانطلق أبو حفص إلى النبي عليه الصلاة والسلام فوجده
في مسجده يصلي ، فلما فرغ من صلاته اقترب منه وقعد بين يديه وقال : يا رسول
الله زوجني فاطمة . فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ردا جميلا كما فعل مع أبي
بكر وقال : يا عمر انتظر بها القضاء . فرجع أبو حفص إلى أبي بكر وقال له : إنه
ينتظر أمر الله فيها . فقال أبو بكر الصديق : ردك يا عمر .
في هذه الأثناء كانت مولاة علي بن أبي طالب تحوم حوله تريد أن تقول شيئا
ولكنها كانت مترددة ، فسألها : ما وراءك ؟ قالت : هل علمت أن فاطمة قد خطبت
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال علي بن أبي طالب : لا . قالت مولاة علي :
قد خطبت فما يمنعك أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيزوجك ؟ وراحت ترجوه .
قال عمر بن الخطاب لأبي بكر : انطلق بنا إلى علي نأمره أن يطلب مثل ما
طلبنا . فأتى أبو بكر وعمر عليا فقالا : بنت عمك تخطب .
فنبهاه لأمر كان عنه غافلا ، فقام علي يجر رداءه طرفه على عاتقه وطرفه الآخر
في الأرض ، حتى انتهى إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقعد بين يديه وكان
لرسول الله صلى الله عليه وسلم جلالة وهيبة ، فأفحم علي ولم يستطع أن يتكلم ،
فتساءل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك ؟ ألك حاجة ؟ فسكت ربيب
رسول الله صلى الله عليه وسلم . فعاد النبي عليه الصلاة والسلام يتساءل : ما جاء
بك ألك حاجة ؟ فسكت علي بن أبي طالب . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لعلك جئت تخطب فاطمة ؟
فقال علي : نعم علمت قدمي في الاسلام ومناصحتي وإني . . . فأمهله رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى يستشيرها ، فدخل عليها فقال : أي بنية أن ابن عمك
عليا قد خطبك فماذا تقولين ؟ فسكت الزهراء ثم قالت : كأنك يا أبت ادخرتني لفقير
قريش .
فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام الدمع يترقرق في عيني ابنته سألها :
مالك تبكين يا فاطمة ؟ فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علما وأفضلهم حلما وأولهم
سلما ، ما آليت أن أزوجك خير أهلي ، والذي بعثني بالحق ما تكلمت في هذا
حتى أذن لي الله فيه من السماء . فقالت الزهراء : رضيت بما رضي الله ورسوله .
فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهلل بشرا ، وخرج إلى علي بن
أبي طالب وقال له : هل عندك من شئ تستحلها به ؟ قال ربيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم : لا والله يا رسول الله . فتساءل النبي عليه الصلاة والسلام : وأين درعك
الحطمية التي تحطم السيوف ؟ قال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم : عندي
قال النبي عليه الصلاة والسلام : أصدقها إياها - ثمنها أربعمائة درهم .
وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من خادمه أنس بن مالك أن يدعو أبا
بكر وعمر وعثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله وبعدتهم من الأنصار . فانطلق
ودعاهم . فلما أخذوا مجالسهم نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ربيبه وقال :
يا علي اخطب لنفسك . فقال ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( الحمد لله شكرا لأنعمه وأياديه ، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه
وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني ابنته فاطمة على صداق مبلغه
أربعمائة درهم فاسمعوا ما يقول واشهدوا ) .
قالوا : ما تقول يا رسول الله ؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام :
( الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع لسلطانه ، المهروب
إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ونيرهم
بأحكامه وأعزهم بدينه وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم . إن الله عز وجل
جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا وحكما عادلا وخيرا جامعا ، أوشج بها
الأرحام وألزمها الأنام ، فقال الله عز وجل ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله
نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وأمر الله يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره
ولكل أجل كتاب ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ، ثم إن الله
تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي وأشهدكم أنني زوجت عليا على أربعمائة
مثقال فضة إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع الله شملهما
وبارك لهما وأطاب نسلهما وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن
الأمة ، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ) .
فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله هذا خر ربيب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ساجدا شكرا لله ، فلما رفع رأسه قال النبي عليه الصلاة والسلام
بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيب .
ثم أمر لأصحابه بطبق فيه تمر ، فوضع بين أيديهم ، فقال عليه الصلاة والسلام
انتهبوا .
وجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل - قطيفة - وقربة ووسادة
أدم - جلد - حشوها اذخر - حشيشة رطبة طيبة الرائحة - وتورة من أدم - إناء
يغسل فيه - وسقاء ومنخل ومنشفة ورحاءين وجرتين وقدح .
وبعد أربعة أشهر من العقد كان الزفاف في رمضان من السنة الثانية من
الهجرة . وكانت اليهود يأخذون الرجل عن امرأته - يحولون بين المرء وزوجته
عند اللقاء - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : لا تقربن أهلك حتى آتيك .
وجاء النبي عليه الصلاة والسلام فضرب الباب ، فقامت أم أيمن ففتحت له
الباب ، فتساءل صلى الله عليه وسلم : يا أم أيمن ادعي لي أخي . فقالت أم أيمن
في عجب : أخوك هو وتنكحه ابنتك ؟
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار وآخى بينه
وبين علي بن أبي طالب .
قال النبي عليه الصلاة والسلام : إن ذلك يكون يا أم أيمن .
فجاءت أم أيمن بفاطمة حتى قعدت في جانب البيت وعلي في جانب آخر ،
فقال النبي عليه الصلاة والسلام لابنته فاطمة : ائتني بماء . فقامت تعثر في ثوبها
من الحياء ، فأتته بقعب فيه ماء ، فأخذه النبي عليه الصلاة والسلام ثم قال لفاطمة :
تقدمي . فتقدمت الزهراء يفوح منها عطر طيب - فقد أمر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بلال بن رباح بأن يشتري بثلث الصداق طيبا - فنضح على رأسها ومسح
صدرها ثم قال : اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم .
ثم قال صلى الله عليه وسلم : ائتوني بماء . فأدرك ربيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يريده ، فقام وملأ القعب وأتاه به ، فأخذه
وصنع به كما صنع بفاطمة ودعا له بما دعا لها به ، ثم قال : اللهم بارك فيهما وبارك
عليهما وبارك لهما في شملهما . وتلا المعوذتين ( قل أعوذ برب الفلق ) و ( قل
أعوذ برب الناس ) . ثم رأى سوادا من وراء الباب فتساءل : من هذا ؟ قالت
أسماء بن عميس - زوجة جعفر بن أبي طالب : أسماء . قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : أسماء بنت عميس ؟ قالت : نعم يا رسول الله . فعاد صلى الله عليه وسلم
يتساءل : جئت كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت أسماء بنت عميس :
نعم إن الفتاة ليلة يبنى بها لا بد لها من امرأة تكون قريبة منها إن عرضت لها حاجة
أفضت ذلك إليها .
تقول أسماء بنت عميس : فدعا لي بدعاء إنه لأوثق عملي عندي .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : ادخل بأهلك باسم الله والبركة .
وكان فراش فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب
إهاب كبش - فروة خروف - ومكث النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام لا يدخل
على فاطمة ، وفي اليوم الرابع دخل عليهما في غداة باردة وهما في قطيفة لهما إذا
جعلاها بالطول انكشف ظهراهما وإذا جعلاها بالعرض انكشف رؤوسهما ، فلما
رأياه صلى الله عليه وسلم هما بالنهوض فقال لهما : كما أنتما .
وجلس النبي عليه الصلاة والسلام عند رأسيهما ، ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما
فأخذ علي إحداهما فوضعها على صدره وبطنه ليدفئها ، وأخذت فاطمة الأخرى
فوضعتها كذلك ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي إنه لا بد للعرس
من وليمة .
فلما علم سعد بن معاذ سيد بني عبد الأشهل ذلك قال : عندي كبش . وجمع
لعلي من الأنصار أصوعا من ذرة ، فكانت وليمة في ذلك الزمان أفضل وليمة .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة ما شاء الله أن يقول من الحكمة
ثم قال : أما إني لم آلك أن أنكحتك أحب أهلي إلي .
وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته بخدمة البيت ، وقضى
على ربيبه بما كان خارج البيت ، وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام ابنته خيرا
بعلي ، ثم قال : زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة ، وإنه لأول أصحابي اسلاما
وأكثرهم علما وأعظمهم حلما .
يقول سليمان الفارسي : بعد أن تزوج علي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال النبي عليه الصلاة والسلام : أول هذه الأمة ورودة علي الحوض أولها اسلاما
علي بن أبي طالب .
كان ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أصاب منزلا مستأجرا ، فجاء
حارثة بن النعمان النبي عليه الصلاة والسلام فقال له : يا رسول الله بلغني أنك تحول
فاطمة إليك وهذه منازلي وهي أسقف بيوت بني النجار بك ، وإنما أنا ومالي لله
ولرسوله ، والله يا نبي الله المال الذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع . فقال
النبي عليه الصلاة والسلام : صدقت بارك الله عليك .
ولم تكن حياة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت علي بن أبي طالب
مترفة ولا ناعمة ، فذكرت الزهراء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقر علي ،
فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام : إنه سيد في الدنيا وإنه في الآخرة لمن
الصالحين ، وإنه أكثر الصحابة علما وأفضلهم حلما وأولهم اسلاما . ثم قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم لابنته وزوجها : لا يخافن أحد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه
ولا يستحي من لا يعلم أن يتعلم ، ولا من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله
أعلم . ما أبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول : الله أعلم .
وكان علي بن أبي طالب فقيرا زاهدا ، فلم يستطع أن يستأجر لفاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم خادما لتعينها أو تقوم عنها بالعمل الشاق ، فكان علي
يساعد الزهراء في بعض أعمال البيت .
وذات يوم رجع النبي عليه الصلاة والسلام من إحدى غزواته ، فقال علي
لفاطمة : والله لقد سنوت - شقوت - حتى قد اشتكيت صدري ، وقد جاء الله أباك
بسبي - بصبي - فاذهبي فاستخدميه .
فقالت الزهراء : والله قد طحنت حتى مجلت - تقطعت من العمل وظهرت
فيها فقاعات ملتهبة - يداي .
فأتت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآها سألها : ما جاء بك أي
بنية ؟ فقالت الزهراء في استحياء : جئت لأسلم عليك .
واستحيت أن تسأله صلى الله عليه وسلم ، ورجعت إلى بيتها ، فقال علي بن
أبي طالب : ما فعلت ؟ قالت فاطمة : استحييت أن أسأله .
فانطلقا معا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال ربيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم : يا رسول الله من الله عليك بسبي وسعة فأخدمنا - امنحنا خادما يعيننا
على حياتنا -
وقالت الزهراء : قد طحنت حتى مجلت يداي وقد أتى الله بسبي وسعة فأخدمنا .
فقال النبي عليه الصلاة والسلام : والله لا أعطيكما وادع أهل البيعة - الصفة
تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم واحفظ عليهم
إيمانهم .
فرجع علي وفاطمة إلى دارهما ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لحق بهما
وقال لهما : ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ قال علي بن أبي طالب : بلى . قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلمات علمنيهن جبريل : تسبحان في دبر كل صلاة
عشرا ، وتحمدان عشران ، وتكبران عشرا ، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله
ثلاثا وثلاثين ، وتحمدان ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين .
ويقول علي بن أبي طالب : فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
وقال الفاضل المعاصر محمود شلبي في ( حياة فاطمة عليها السلام ) ص 120
ط دار الجيل بيروت :
قصة الزواج الشريف في سطور
قال صاحب كتاب ( حياة أمير المؤمنين )
كان أبو بكر أول من عرض إلى خطبة الزهراء عليها السلام ، فرده الصادق
الأمين ردا جميلا قائلا : يا أبا بكر لم ينزل القضاء بعد .
وقد سمع بالأمر عمر ، فتقدم إلى النبي الكريم بما تقدم إليه رفيقه وصاحبه
فأعاد عليه الجواب نفسه .
وعندئذ ذهب أبو بكر وأبو حفص إلى عبد الرحمن بن عوف يطلبان منه الخطبة
وقالا له : أنت أكثر قريش مالا ، فلو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبت
فاطمة زادك الله مالا إلى مالك وشرفا إلى شرفك .
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله زوجني فاطمة . فأعرض عنه
رسول الله ، فأتاهما فقال : قد نزل بي مثل الذي نزل بكما . . .
فتوجها إلى علي وقالا له : قد عرفنا قرابتك من رسول الله وقدمك في الاسلام
فلو أتيت رسول الله فخطبت إليه فاطمة لزادك الله فضلا إلى فضلك وشرفا إلى
شرفك .
وقال غيرهما من أصحاب الرسول - كما روى ذلك أنس بن مالك - لعلي :
لو خطبت إلى النبي لخليق أن يزوجكها .
ويحدثنا ابن عباس فيقول : كانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر
فلا يذكرها أحد لرسول الله إلا أعرض عنه ، فقال سعد بن معاذ الأنصاري لعلي عليه
السلام : إني والله ما أرى رسول الله يريد بها غيرك . تقدم الوصي إلى النبي صلى الله
عليه وسلم وجلس بين يديه وقد أحجم فلا يستطيع الكلام .
فسأله الرسول حاجته فسكت ، وليس من عادته السكوت ولا الإحجام .
فعرف صلى الله عليه وسلم أنه جاء يخطب الزهراء ، وإنه قد منعه عن التكلم الحياء
فأعاد صلى الله عليه وسلم السؤال ، فقال : ما حاجة علي ؟ قال : يا رسول
الله ذكرت فاطمة بنت رسول الله . فقال : مرحبا وأهلا . وخرج سلام الله عليه على
أولئك الرهط من الأنصار وكانوا ينتظرونه ، فقالوا : ما وراءك ؟ فأخبرهم الخبر
فقالوا : يكفيك من رسول الله أحدهما أعطاك الرحب وأعطاك الأهل .
وقد فهم الناس من جواب النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أن الوحي قد نزل
وإن الله اختار عليا زوجا للزهراء ، وباتوا جميعا ينتظرون إعلان الرسول لهذا
الأمر .
أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النخبة الممتازة من أصحابه من
مهاجرين وأنصار ، فلما التام الجمع قال صلى الله عليه وآله :
( الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع بسلطانه ، المرهوب
من عذابه وسطوته ، النافذ أمره في سمائه وأرضه ، الذي خلق الخلق بقدرته ،
وميزهم بأحكامه ، وأعزهم بدينه ، وأكرمهم بنبيه ، إن الله تبارك اسمه وتعالت
عظمته جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا ، أوشج به الأرحام وألزم الأنام ،
فقال عز من قائل ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك
قديرا ) فأمر الله يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكل قضاء قدر
ولكل قدر أجل ، ولكل كتاب ، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب
ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة بنت خديجة من علي بن أبي طالب ،
فاشهدوا أني زوجته على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي بذلك علي بن أبي طالب ) .
ثم دعا بطبق من بسر فوضعت بين أيدينا ثم قال : انتبهوا فانتبهنا . . . هكذا يحدث
أنس بن مالك . . . ويقول أيضا : فبينا نحن ننتهب إذ دخل علي رضي الله عنه على
النبي ، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه ، ثم قال : إن الله قد أمرني أن
أزوجك فاطمة على أربعمائة مثقال فضة إن رضيت بذلك . فقال : قد رضيت بذلك
يا رسول الله . فقال الرسول : جمع الله شملكما وأسعد جدكما وبارك عليكما
وأخرج منكما كثيرا طيبا . . .
وقد كان جماعة من المهاجرين خطبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فلما زوجها عليا قالوا في ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا زوجته
ولكن الله زوجه .
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس ، وقد سأله : أتحب عليا ؟ ( يا
عم والله لله أشد حبا له مني ، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه وجعل ذريتي في
صلب هذا . . .
وقال الفاضل المعاصر الشريف علي فكري بن الدكتور محمد عبد الله الحسيني
القاهري المولود بها سنة 1296 والمتوفى بها أيضا سنة 1372 في كتابه ( أحسن
القصص ) ج 5 ص 52 ط دار الكتب العلمية في بيروت :
3 - السيد فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
سيدة النساء .
نسبها . . . السيد فاطمة الزهراء رضي الله عنها من أشرف نساء قريش نسبا ،
وأطهرهن حسبا ، وأنقاهن سيرة ، وأشدهن غيرة على الاسلام .
مولدها - ولدت فاطمة الزهراء ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم من أمنا
السيد خديجة الكبرى رضي الله عنها قبل ما تبنى الكعبة بخمس سنين ، والنبي
صلوات الله عليه ابن خمس وثلاثين سنة ، أي قبل هجرته المباركة بسبعة عشر عاما
وكانت أصغر بناته وأحبهن إليه .
كانت سيدة النساء فاطمة مباركة ذات خلق حسن ، وخلق أحسن ، تربت
تربية عالية في دار النبوة ، فنشأت نشأة صالحة ، وأنبتها الله نباتا حسنا ، ( أصلها
ثابت وفرعها في السماء ) فكانت خير النساء ، وسميت فاطمة لأن الله فطمها وحفظها
من النار .
زواجها - تزوجت السيد فاطمة الزهراء من الإمام علي ( ابن عم النبي )
كرم الله وجهه في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية المباركة ، وبنى
بها في ذي الحجة من السنة المذكورة .
ولقد كانت سيدة النساء وقتئذ في أزهى أوقات الحياة في التاسعة عشر من
عمرها ، أما الإمام علي فقد كان يبلغ الحادية والعشرين ، كلاهما شخصيتان بارزتان
يحيط بهما جلال الإيمان ونور الهدى ، متكافئان متعادلان من كل الوجوه ، مناسب
أحدهما للآخر كل المناسبة ، كلاهما عالي الفكر ، رقيق الحس ، حميد الخلق ،
صبيح الوجه ، فكلاهما زوجان متصفان بالمعالي ، مشهوران بالمحامد ، فهما
خيار من خيار .
بدأت حياتهما المشتركة التي امتزجت فيها الفضيلة بالكمال ، والجلال بالجمال
على هذا الوجه من الصفاء والوفاء والاخلاص .
حضر الإمام علي ذات يوم من أيام السنة الثانية للهجرة إلى دار النبوة بنفسه
وبعد أن دخل الدار سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وسكت ، فسأله الرسول
ماذا يطلب ؟ فرد عليه مجيبا بأنه حضر ليطلب كريمته السيدة فاطمة . فقال له
الرسول : مرحبا وأهلا ، ولم يزد على ذلك ، بل ظل ساكتا بعدها ، مما اضطر عليا
إلى العودة حائرا مدهوشا .
لم يستطع الإمام علي أن يميز وجه الحقيقة من رد الرسول ، فسأل بعضا من
الأنصار ، فبشروه وطيبوا خاطره ، وأفهموه بأن في هذا الرد ما يشعر بالقبول
والايجاب ، ففرح الإمام واغتبط بذلك ، وبعد قيام الإمام علي طلب الرسول
صلوات الله عليه كريمته السيدة فاطمة وأخبرها بهذا الأمر ، وسألها رأيها فيه ،
فلم تجبه ، بل اطرقت ساكتة ، فعد الرسول سكوتها علامة الايجاب والرضى .
فقرر إتمام عقد الزواج ، ثم أرسل يطلب عليا كرم الله وجهه وسأله هل عنده
من شئ ؟ فأجابه : إنه لا يملك سوى فرسه ودرعه ، فأمره ببيع الدرع لتجهيز
السيد فاطمة بثمنها .
هرع علي إلى السوق فباع الدرع إلى عثمان بن عفان بأربعمائة وسبعين درهما ،
وعاد بالثمن معقودا في طرف ثوبه ووضعه أمام الرسول وهو يقول : هاهو بدل
الدرع يا رسول الله .
فقبض الرسول بعض الدراهم منها ، وناولها بلالا ليشتري بعض الطيب والروائح
ويسلم الباقي إلى ( أم سلمة ) لتشتري الجهاز .
وبعد أن أحضرت أم سلمة الجهاز دعا الرسول صلى الله عليه وسلم جمعا غفيرا
من الأنصار ثم خطبهم خطبة بليغة وهي :
( الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع سلطانه ، المهروب إليه
من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، وميزهم
بأحكامه ، وأعزهم بدينه ، وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، إن الله عز وجل
جعل المصاهرة نسبا لاحقا ، وأمرا مفترضا ، وحكما عادلا ، وخيرا جامعا ، وشج به
الأرحام ، وألزمها الأنام ، فقال عز وجل : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله
نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) وأمر الله تعالى يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري
إلى قدره ، ولكل قضاء قدر ، ولكل قدر أجل ، ولكل أجل كتاب ، يمحو الله ما
يشاء ، وثبت وعنده أم الكتاب ، ثم أن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي
وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال فضة إن رضي بذلك
على السنة القائمة ، والفريضة الواجبة ) .
ثم دعا لهما عقب ذلك بحسن المعاشرة ، وبالذرية الصالحة ، وعندما تم عقد
الزواج على هذا الوجه البسيط أحضر الرسول للحاضرين من الأنصار وعاء فيه
بعض التمر وقدمه إليهم بقوله : تخاطفوا .
هكذا تم زفاف سيدة النساء ، وابنة فخر الكائنات بلا ضجيج ولا ضوضاء
ولكنه بالسرور الذي ملأ القلوب بالهناء والصفاء .
وبعد أن تفرق المدعون طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة وأمرها
بأن تذهب بكريمته إلى دار علي ، وأن تخبرهما أنه آت إليهما عن قريب . فنفذت
أمره وسارت بسيدة النساء إلى دار زوجها . أما الرسول فقد صلى صلاة العشاء .
ويمم عقب الصلاة دار علي وفي يده قربة من الجلد تستعمل لسقي الماء ، وعند
وصوله دار صهره قرأ عليها سورتي المعوذتين ، وبعضا من الأدعية ، وأمرهما
بأن يشربا ويتوضأ من الإناء ، ثم أخذ قليلا منه ونثره على رأسيهما ، وعندما أراد
مفارقتهما وقد هم بالانصراف كانت فاطمة رضي الله عنها تبكي فخاطبها بما
معنا :
( أي بنتي قد تركتك وديعة عند رجل إيمانه أقوى من إيمان أي إنسان آخر ،
وعلمه أكثر من علم الجميع ، إنه أفضل قومنا أخلاقا ، وأعلاهم نفسا ) .
على هذا الوجه تم عقد الشركة القلبية بين سيدة النساء فاطمة الزهراء والإمام
علي كرم الله وجهه .
أحب الإمام علي زوجته سيدة النساء ، وعاشا عيشة راضية ، ورزقت منه خمسة
أولاد ، ثلاثة ذكور : وهم حسن وحسين ومحسن ، وبنتان : أم كلثوم وزينب ،
وقد مات محسن صغيرا .
كانت السيدة فاطمة رضي الله عنها ذات عقل ودراية ، عالية النفس ، تجيد
الشعر ، وتعرف مسائل الفقه والشريعة ، ولها إلمام بالتاريخ ، ولم يأخذها الغرور
يوما لعلو منزلتها في الاسلام .
وكان سلسة القياد ، حلوة اللسان ، تحب معونة الفقراء كزوجها علي .
روي عنها أحاديث نبوية كثيرة ، ونظمت قصائد ذات أبيات عامرة ، وأظهرت
دراية ومهارة في كثير من المعضلات .
كانت السيد فاطمة تشابه أباها في كلامها ، وتحاكيه صلى الله عليه وسلم في
مشيها ، ومحاكاة تثير دهشة الناس .
أما محبتها لوالدها فخر الكائنات ، فكانت محبة خارقة للعادة من أعماق القلب
والروح .
وكانت محبوبة من أهلها يحبها الجميع ، وقد تركت ذكريات حسنة في قلب
كل إنسان عرفها أثناء العشر السنوات التي مضت من يوم زواجها حتى ساعة
وفاتها .
وكان الإمام علي ينفذ لها كل طلب ويعمل بكل كلمة تقولها .
وكان أولادها يطيعونها ويحترمونها في كل حين .
وكانت تحب أولادها وتعتني بشأنهم ، وكانت في صلاتها وعبادتها ومبراتها
وخيراتها من أكثر السيدات أنسا في محفل ربات الخدور .
وقد قضت حياتها السعيدة حتى السنة الحادية عشرة من الهجرة النبوية المباركة
وهي تجبر القلوب الكسيرة ، وتعين المحتاجين ، وتغيث الملهوفين ، وقد ظلت
هذه الحياة السعيدة على هذه الوتيرة حتى السنة المذكورة التي انتقل فيها الرسول
صلى الله عليه وسلم إلى جوار ربه ، إلى الرفيق الأعلى ، فتناثرت أوراق تلك
السعادة ، وأظلم قلبها ، وهكذا الدهر إذا صفا يوما ففي غدا يتقلب .