حديث
( صبر فاطمة عليها السلام على مرارة الدنيا ومكارهها )
قد تقدمت نبذة من الأحاديث الدالة عليه عن كتب أعلام العامة في مواضع
مختلفة من هذه الموسوعة ، منها في المجلد 10 ص 262 إلى ص 271 ، ومنها
المجلد 19 ص 110 و 111 ، ونستدرك هيهنا عن الكتب التي لم نرو عنها فيما سبق 1 ) :
هامش
1 ) قال الفاضل المعاصر الشيخ أبو بكر جابر الجزائري في كتابه : ( العلم
والعلماء ) ص 238 ط دار الكتب السلفية بالقاهرة سنة 1403 ما هذا لفظه :
صبرها وتحملها رضي الله عنها :
ما كانت فاطمة في عيشها كما يكون نساء الأمراء والوزراء يرفلن في الحرير
ويأكلن الفطير ، ويخدمهن الخوادم بل كانت رضي الله عنها تعيش في بيت فقير
أهله ، متواضع بناؤه ، فكانت الزهراء تقم بيتها وتطحن حبها وتربي أولادها صابرة
على شظف العيش ، متحملة راضية بقسمة الله وما آتاها حتى توفاها الله وألحقها
بوالدها طيبة طاهرة ، فسلام عليها في القانتات الصابرات .
وهذا بعلها أبو الحسنين علي رضي الله عنه يحدث عن نفسه وعن زوجته
الزهراء فيقول : يا ابن أعبد ألا أخبرك عني وعن فاطمة ؟ كانت بنت رسول الله
وأكرم أهله عليه ، وكانت زوجتي فجرت بالرحى حتى أثرت الرحي بيدها ،
واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها ، وقمت البيت حتى أغبرت ثيابها ،
وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها وأصابها من ذلك ضر .
هكذا عاشت فاطمة تعاني من الخدمة صابرة متحملة لم تتبرم من الحياة ، ولم
تسخط القدر ، ولم تظهر في غير مظهر الصبر والاحتمال حتى لحقت بالرفيق الأعلى
رضي الله عنها .
وقال الفاضل المعاصر محمود شلبي في كتابه ( حياة فاطمة ( ع ) ) ص 150
ط دار الجيل - بيروت :
سيدة النساء . . . ومتاعب حمل الماء ؟ !
ألم أقل لك : من كانت أشبه الناس بأبيها ، يتحتم أن تكون ، أرقى الناس
أخلاقا ؟ ! !
خذ هذه القصة الخالدة برهانا لا جدال فيه : عن علي أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم لما زوجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من أدم حشوها ليف ورحيين
وسقاء وجرتين ، فقال علي لفاطمة ذات يوم : والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت
صدري ، قال : وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه . فقالت : وأنا والله قد
طحنت حتى مجلت يداي ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما جاء بك أي
بينة ؟ قالت : جئت لأسلم عليك ، واستحيت أن تسأله ورجعت ، فقال : ما فعلت ؟
قالت : استحييت أن أسأله . . . لا أستطيع هاهنا إلا أن أتفجر بكاء ودمعا . هاهنا
صفة عليا من صفات الزهراء العليا . صفة الحياء ، على أعلى مستوى من الحياء .
مستوى سيدة النساء .
ومعلوم أن الحياء في النساء صفة عامة من صفاتهن التي تزيدهن جمالا . .
إلا أن حياء الزهراء حياء أعلى من حياء سائر النساء ، حياء المرء حين
يأتي ما لا يليق بمستواه الرفيع . . . أن زوجها عليه السلام قال لها : فاذهبي فاستخدميه
أي اذهبي إلى أبيك فاطلبي منه خادما يحمل عنا بعض ما نلاقي من متاعب الحياة
المنزلية ، فذهبت فلما سألها أبوها صلى الله عليه وسلم : ما جاء بك أي بنية ؟
تذكرت أن ما جاءت من أجله ، وإن كان مشروعا وجائزا وهناك ضرورة إليه ، إلا
أنها ينبغي أن تتنزه عنه ، لأن أباها يريد لها دائما ما هو أعلى من سلوك سائر النساء
لأن مقامها يقتضي ذلك التنزه . .
فكان ردها الجميل : جئت لأسلم عليك . واستحيت أن تسأله . ما هذا إنه ليس
الحياء الغريزي في الأنثى ، إنما هو حياء الكمال ، أكمل الكمال . . . حياء النفوس
الشريفة ، حين تستحيي أن تتنزل عن مستواها . .
فكيف وهذه النفس ، نفس الزهراء ، بضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم
مجمع الكمالات . . شأن عجيب من شؤون الزهراء ، وحياء لا يعلمه إلا الله الذي
يعلم سرهم وأخفى عليها السلام ! ! !
فأتياه جميعا ، فقال علي : يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري
وقالت فاطمة : قد طحنت حتى مجلت يداي ، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا .
الله أكبر ، حقا هؤلاء أهل البيت عليهم السلام . . . علي سيد الرجال يقسم
( والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري ) لقد حملت الماء على صدري
اشتكيت . .
وسيدة النساء تقول لأبيها : قد طحنت حتى مجلت يداي . حتى صلبت يداي
واخشوشنت وثخن جلدها ، فماذا كان جواب سيد الخلق ؟
يا أيها الناس . . . طأطئوا رؤوسكم إجلالا ، وتعالوا واسمعوا ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم : والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد
ما نفق عليهم ، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم .
لو لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير هذا التصرف لكان برهانا
وآية دالة على أنه لا مثل له قط . . تصرف لا يبلغه إلا رسول الله ، لا أعطيكما .
كلا يا حبيباي ، هناك فقراء أهل الصفة الذين يعيشون في المسجد لا مأوى ولا
طعام ، تطوي بطونهم ، هم أولى منكما .
اللهم صلي وسلم وشرف وكرم من هذا موقفه ، ثم ماذا ؟
إذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما .
فرجعا ، فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت
رؤوسهما تكشفت أقدمهما ، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما . فثار ، فقال :
مكانكما ، ثم قال : ألا أخبركما بخير مما سألتماني ؟ قالا : بلى . . بلى . .
فقال : كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام فقال : تسبحان في دبر كل صلاة
عشرا ، وتحمدان عشرا ، وتكبران عشرا ، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا
وثلاثين وأحمد ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين .
قال : فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فقال
له ابن الكواء : ولا ليلة صفين ؟
فقال : قاتلكم الله يا أهل العراق ، نعم ولا ليلة صفين . [ أخرجه الإمام
أحمد ] .