مستدرك
قول النبي صلى الله عليه وآله " إن الصدقة حرام على محمد وآل
محمد صلى الله عليهم أجمعين "
قد تقدم نقل ما يدل عليه من الأحاديث عن كتب العامة في ج 9 ص 389 ،
ونستدرك هيهنا عن كتبهم التي لم ننقل عنها فيما سبق ( 1 ) :
هامش
( 1 ) قال العلامة الحافظ الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي
الشافعي المتوفى سنة 831 في كتابه " القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع "
ص 81 ط مطبعة الانصاف بيروت :
اختلف في الآل ، فقيل أصله " أهل " قلبت الهاء همزة ثم سهلت ، ولهذا إذا
صغر رد إلى الأصل فقالوا أهيل ، وقيل بل أصله " أول " من آل يؤول إذا رجع ،
سمي بذلك من يؤول إلى الشخص ويضاف إليه ويقويه ، أنه لا يضاف إلا إلى
معظم فيقال لجملة القرآن " آل الله " وكذا " آل محمد " والمؤمنين والصالحين
و " آل القاضي " ولا يقال آل الحجام وآل الخياط بخلاف أهل ، ولا يضاف آل
أيضا إلى الضمير عند الأكثر ، وجوزه بعضهم بقلة ، وقد ثبت في شعر عبد المطلب
قوله في قصة أصحاب الفيل من أبيات :
وانصر على آل الصليب * وعابديه اليوم آلك
وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعا ، وضابطه أنه
إذا قيل فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم إلا بقرينة ، ومن شواهده قوله صلى الله عليه
وسلم للحسن بن علي " إنا آل محمد ، لا تحل لنا الصدقة " ، وإن ذكرا معا فلا ،
وهو كالفقير والمسكين ، وكذا الإيمان والاسلام والفسوق والعصيان .
واختلف في المراد بآل محمد ههنا ، فالأرجح أنهم من حرمت عليهم الصدقة ،
وهذا نص عليه الشافعي واختاره الجمهور ، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في
حديث أبي هريرة للحسن بن علي " إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة " ، وقوله في
أثناء حديث مرفوع " إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس وانها لا تحل لمحمد
ولا لآل محمد " .
وقال أحمد : المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته ، وعلى هذا فهل
يجوز أن يقول " أهل " عوض آل ، روايتان عندهم .
وقيل المراد بآل محمد أزواجه وذريته ، لأن أكثر طرق الحديث جاء بلفظ
" وآل محمد " ، وجاء في حديث أبي حميد موضعه " وأزواجه وذريته " ، فدل على
أن المراد بالآل الأزواج وذريته .
وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة الماضي ، فيحمل
على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره . والمراد بالآل في التشهد الأزواج ومن
حرمت عليهم الصدقة ، ويدخل فيهم الذرية ، فبذلك يجمع بين الأحاديث .
وقد أطلق على أزواجه صلى الله عليه وسلم " آل محمد " في حديث عائشة :
ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا ، وفي حديث أبي هريرة : اللهم اجعل
رزق آل محمد قوتا ، وكأن الأزواج أفردوا بالذكر تنويها لهم ، وكذا الذرية
وقد روى عبد الرزاق في جامعه عن الثوري : سمعته وسأله رجل عن قوله
" اللهم صل على محمد وعلى آل محمد " من آل محمد ؟ فقال : اختلف الناس ،
منهم من يقول آل محمد أهل البيت ، ومنهم من يقول من أطاعه .
وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة ، حكاه النووي في شرح المهذب ، وقيل
هم جميع قريش ، حكاه ابن الرفعة في الكفاية ، وقيل المراد بالآل جميع الأمة
أمة الإجابة ، قال ابن العربي ، مال إلى ذلك مالك واختاره الأزهري ، وحكاه أبو
الطيب الطبري عن بعض الشافعية ، ورجحه النووي في شرح مسلم ، وقيده القاضي
حسين والراغب بالأتقياء منهم . وعليه يحمل كلام من أطلق ، ويؤيده قوله تعالى
" إن أولياؤه إلا المتقون " .
وفي نوادر أبي العيناء : إنه غض من بعض الهاشميين ، فقال له : أتغض مني
وأنت تصلي علي في كل صلاة في قولك " اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد "
فقال : إني أريد الطيبين الطاهرين ولست منهم . أفاده شيخنا .
قلت : وقد حكى الخطيب قال : دخل يحيى بن معاذ على علوي ببلخ أو
بالري زائرا له ومسلما عليه ، فقال العلوي ليحيى : ما تقول فينا أهل البيت ؟ فقال :
ما أقول في طين عجن بماء الوحي ، وغرست فيه شجرة النبوة ، وسقي بماء الرسالة
فهل يفوح منه إلا مسك الهدى ، وعبير التقى ، فقال العلوي ليحيى ، إن زرتنا
فبفضلك ، وإن زرناك فلفضلك ، فلك الفضل زائرا ومزورا . إنتهى .
قال شيخنا : ويمكن أن يحمل كلام من أطلق على أن المراد بالصلاة الرحمة
المطلقة فلا يحتاج إلى تقييد بالأتقياء ، وقد استدل لهم بحديث أنس رفعه : آل
محمد كل تقي . أخرجه الطبراني لكن سنده واه جدا ، وأخرج البيهقي عن جابر
نحوه من قوله بسند ضعيف .
أما إبراهيم عليه السلام فهو ابن آزر اسمه " تارح " بمثناة وراء مفتوحة وآخره
حاء مهملة بن ناحور بنون ومهملة مضمومة بن شاه روخ بمعجمة وراء مضمومة
وآخره خاء معجمة بن راغو بغين معجمة بن فالخ بفاء ولا مفتوحة بعدها معجمة بن
عبير ويقال عابر وهو بمهملة وموحدة بن شالخ بمعجمتين بن ارفشحد بن سام بن
نوح . لا خلاف في هذا النسب إلا في النطق ببعض هذه الأسماء وإلا من شذ . آله
عليه السلام هم ذريته من إسماعيل وإسحق كما جزم به جماعة . وإن ثبت إبراهيم
كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة ، ثم المراد المسلمون منهم بل
المتقون ، فيدخل فيهم الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم .
وقد اختلف في إيجاب الصلاة على الآل : ففي تعيينها عند الشافعية والحنابلة
روايتان والمشهور عندهم لا ، وهو قول الجمهور ، وادعي كثير منهم فيه الإجماع
وأكثر من أثبت الوجوب من الشافعية نسبوه إلى التربجي ( بضم التاء المثناة من
فوق وإسكان الراء وبعدها باء موحدة ثم جيم ) .
وفي شرح المهذب والوسيط تبعا لابن الصلاح القائل بوجوب الصلاة على
الآل في التشهد الأخير هو التربجي ، وهو مردود على قائله بإجماع من قبله ، أن
الصلاة على الآل لا تجب ، لكن قد نقل البيهقي في الشعب عن أبي إسحق المروزي
- وهو من كبار الشافعية - قال : أنا أعتقد أن الصلاة على آل النبي صلى الله عليه
وسلم واجبة في التشهد الأخير من الصلاة ، قال البيهقي : في الأحاديث الثابتة في
كيفية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دلالة على صحة ما قال : انتهي ،
قال شيخنا : ومن كلام الطحاوي في مشكله ما يدل على أن حرملة نقله عن
الشافعي . قلت : وقد أنشد المجد الشيرازي عن محمد بن يوسف الشافعي قوله :
يا أهل بيت رسول الله حبكم * فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم عن عظيم القدر أنكم * من لم يصل عليكم لا صلاة له
انتهي . وفي الرافعي ما نصه : وأما الصلاة فيه - يعني في التشهد الأول - على
الآل فمبني على إيجابها في الآخر ، فإن لم يوجبها وهو الأصح فلا نستحبها .
وتعقبه الزركشي في الخادم بأن حاصل ما ذكره في الصلاة على الآل عدم
تصحيح الاستحباب ، وقد استشكله في التنقيح فقال : ينبغي أن يسنا جميعا ولا يسنا
جميعا ولا يظهر فرق مع الأحاديث الصحيحة المصرحة بالجمع بينهما ، وما قاله
ظاهر . والله الموفق .
وقد اختلف أيضا في وجوب الصلاة على إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، ففي
البيان عن صاحب الفروع حكاية وجهين في ذلك كالخلاف في الصلاة على النبي
صلى الله عليه وسلم ، كما سبقت الإشارة إليه في المقدمة . والله أعلم .
( تنبيه ) إن قال قائل : ما وجه التفرقة بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
وبين الآل في الوجوب مع كونه معطوفا عليه إذا كان مستند الوجوب قوله " قولوا
كذا " فلم أوجبتم البعض دون البعض ؟
فالجواب عنه كما قيل من وجهين : أحدهما أن المعتمد في الوجوب إنما هو
الأمر الوارد في القرآن بقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "
فلم يأمر بالصلاة على آله ، وأما تعليمه صلى الله عليه وسلم كيفية الصلاة عليه لما
سألوه فبين لهم المقدار الواجب وزادهم رتبة الكمال على الواجب ، وهو إنما
سألوه عن الصلاة عليه . وهذا مبني على الخلاف في جواز حمل الأمر على حقيقته
ومجازه ، والصحيح جوازه ، وقد يجب المسؤول بأكثر مما سئل عنه لمصلحة ،
كما وقع ذلك منه صلى الله عليه وسلم كثيرا ، كقوله حين سئل عن التطهر بماء البحر
فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته . ولم يكن في سؤالهم ذكر ميتة البحر .
والوجه الثاني : أن جوابه صلى الله عليه وسلم لمن سأله ورد بزيادات ونقص ،
وإنما يحمل على الوجوب ما اتفقت الروايات عليه ، إذ لو كان الكل واجبا لما اقتصر
في بعض الأوقات على بعضه ، وفي بعض الطرق الصحيحة إسقاط الصلاة على
الآل ، وذلك في صحيح البخاري في حديث أبي سعيد ، لكنه أثبتها في البركة مع
أنهم لم يسألوه عن البركة ولا أمر بها في الآية ، وأيضا فحديث أبي حميد المتفق
عليه ليس فيه الصلاة على الآل ولا فيه البركة أيضا ، إنما قال " على أزواجه وذريته "
وبين الذرية والال عموم وخصوص .
فإن قيل : فلم اقتصرتم في الوجوب في كيفية الصلاة عليه على لفظ " اللهم
صل على محمد " ولم توجبوا بقية كلامه في التشبيه ؟
قلنا : لسقوط التشبيه في بعض أجوبته ، وذلك في حديث زيد بن خارجة كما
تقدم ، فدل على عدم وجوبه .
( الفصل التاسع )
فيه سؤالان :
أحدهما : لم خص إبراهيم عليه السلام بالتشبيه دون غيره من الأنبياء صلوات
الله عليهم ؟
والجواب : إن ذلك وقع إما إكراما له أو مكافأة على ما فعل حيث دعا لأمة
محمد بقوله " رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب " ، أو لعدم
مشاركة غيره من الأنبياء له في ذلك . واختصاصهما بالصلاة ، إما لأنه كان خليلا
ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيبا أو لأن إبراهيم كان منادي الشريعة ، حيث أمره الله
بقوله " وأذن في الناس بالحج يأتوك رجال وعلى كل ضامر " ، ومحمد صلى الله
عليه وسلم كان منادي الدين بقوله " ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان " . أو لأنه
سأل الله عز وجل في ذلك حيث رأي الجنة في المنام وعلى أشجارها مكتوب " لا
إله إلا الله ، محمد رسول الله " ، وسأل جبريل عن ذلك فأخبره عن حاله فقال :
يا رب أجر ذكري على لسان أمة محمد ، أو لقوله " واجعل لي لسان صدق في
الآخرين " ، أو لأنه أفضل من بقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو لأن الله سماه
أبا المؤمنين في قوله " ملة أبيكم إبراهيم " ، أو لأمر النبي صلى الله عليه وسلم
باتباعه لا سيما في أركان الحج ، أو لأنه لما بني البيت دعا بقوله " اللهم من حج
هذا البيت من شيوخ أمة محمد فهبه مني ومن أهل بيتي " ثم دعا إسماعيل للكهول ،
ثم إسحق للشباب ، ثم سارة للحرائر من الإناث ، ثم هاجر للموالي ، فلذلك
اختص بذكره هو وأهل بيته ، قلت ، وفي أكثر هذه الأجوبة ما يحتاج إلى صحة
النقل . والله الموفق .
وثانيهما : قال شيخنا : اشتهر السؤال عن موقع التشبيه في قوله " كما صليت
على إبراهيم " مع أن المقرر أن المشبه دون المشبه به ، والواقع ههنا عكسه ،
لأن محمدا صلى الله عليه وسلم وحده أفضل من إبراهيم وآل إبراهيم ، لا سيما وقد
أضيف إليه آل محمد ، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة له أفضل
من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره .
وأجيب عن ذلك بأجوبة :
" الأول " أنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه أفضل من إبراهيم ، وقد أخرج مسلم
من حديث أنس أن رجلا قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا خير البرية ، قال ذلك ،
إبراهيم ، أشار إليه ابن العربي ، وأيده أنه سأل لنفسه التسوية مع إبراهيم ، وأمر
أمته أن يسألوا له ذلك ، فزاده الله تعالى بغير سؤال أن فضله على إبراهيم ، وتعقب :
بأنه لو كان كذلك لغير صفة الصلاة عليه بعد أن علم أنه أفضل .
الثاني : أنه قال ذلك تواضعا وشرع لأمته ذلك ليكتسبوا بذلك الفضيلة .
الثالث : إن التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة ، لا للقدر بالقدر ، فهو
كقوله تعالى " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح " ، وقوله : كتب عليكم الصيام
كما كتب على الذين من قبلكم " ، فإن المختار فيه أن المراد أصل الصيام
لا وقته وعينه ، وهو كقول القائل أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان ويريد بذلك
أصل الاحسان لا قدره ، ومنه قوله تعالى " أحسن كما أحسن الله إليك " . ورجح
هذا الجواب القرطبي في المفهم ، فقولهم : كما صليت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم ، معناه أنه تقدمت منك الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، فنسأل
منك الصلاة على محمد وعلى آل محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى ، لأن
الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى - الخ .