ما أعطيتهم المواثيق الغليظة ، والعهود المؤكّدة جرأة على اللّه واستخفافا بعهده ؟ !
أو لست بقاتل عمرو بن الحمق ، الّذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة ، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم « 1 » نزلت من سقف الجبال ؟ !
أو لست المدّعى زيادا في الإسلام ، فزعمت أنّه ابن أبي سفيان ، وقد قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ويقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، ويصلّبهم على جذوع النخل ؟ !
سبحان اللّه يا معاوية ! لكأنّك لست من هذه الامّة ، وليسوا منك .
أولست قاتل الحضرمي « 2 » ، الّذي كتب إليك فيه زياد أنّه على دين عليّ عليه السّلام ، ودين عليّ هو دين ابن عمّه صلّى اللّه عليه وآله الّذي أجلسك مجلسك الّذي أنت فيه ، ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين : رحلة الشتاء والصيف ، فوضعها اللّه عنكم ، بنا منّة عليكم ؟ وقلت فيما قلت : لا تردنّ هذه الامّة في فتنة ، وإنّي لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها . وقلت فيما قلت :
انظر لنفسك ولدينك ولامّة محمّد . وإنّي واللّه ما أعرف أفضل من جهادك ، فإن أفعل فإنّه قربة إلى ربّي ، وإن لم أفعله فاستغفر اللّه لديني ، وأسأله التوفيق لما يحبّ ويرضى . وقلت فيما قلت : متى تكدني أكدك « 3 » . فكدني يا معاوية ! ما بدا لك ، فلعمري لقديما يكاد الصالحون ، وإنّي لأرجو أن لا تضرّ إلّا نفسك ، ولا تمحق إلّا عملك ، فكدني ما بدا لك . واتّق اللّه يا معاوية واعلم أنّ للّه كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، واعلم أنّ اللّه ليس بناس لك قتلك بالظنّة ، وأخذك بالتهمة ، وإمارتك صبيّا يشرب الشراب ، ويلعب بالكلاب ، ما أراك إلّا قد أوبقت نفسك ، وأهلكت دينك ، وأضعت الرعيّة . والسّلام » « 4 » .
هامش
( 1 ) - [ « العصم » - بالضم - : وعول الجبال ؛ لأنّها تعصم بالجبل ] .
( 2 ) - سيوافيك تفصيل قتل الحضرمي في ص 227 من كتابنا هذا .
( 3 ) - هذه الجملة لا توجد في كلام معاوية .
( 4 ) - الإمامة والسياسة 1 : 131 ؛ وفي طبعة : 148 [ 1 / 155 ] ؛ جمهرة الرسائل 2 : 67 .