أسندوها ( 1 ) إلى النبي ( ص ) ، ثم ناقضوا ذلك وصرحوا بأن حقوق النبوة من حماية
بيضة الاسلام وحفظ الشرع ونصب الألوية ، والأعلام في جهاد الكفار والبغاة
والانتصاف للمظلوم وإنفاذ المعروف وإزالة المنكر وغير ذلك من توابع منصب النبوة
ثابتة للإمامة ، لأنها خلافة عنها ، ولقوله تعالى : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول
وأولي الأمر منكم ( 2 ) وهو الإمام بالاتفاق ، فيجب معرفته أصالة لا من باب المقدمة
ولما رووه في كتبهم كالحميدي في الجمع بين الصحيحين ( 3 ) من أن البني ( ص )
قال من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، وهو نص صريح في أن الإمامة
من الأصول للعلم الضروري بأن الجاهل بشئ من الفروع وإن كان واجبا لا تكون
ميتته ميتة جاهلية ، إذ لا يقدح ذلك في إسلامه ، وليس المراد من إمام زمانه القرآن
المجيد كما زعموا وإلا لكان تعلمه واجبا على الأعيان ، ولأن النبي ( ص ) أضاف
الإمام إلى الزمان وفيه دليل على اختصاص أهل كل زمان بإمام فيجب عليهم معرفته
ومع القول بأنه القرآن أو بعضه كالفاتحة لا يبقى لهذا التخصيص فائدة أصلا ، سيما
على مذهب الحنفي الذي لا يوجب تعلم القرآن ولا الفاتحة ولا بعضا آخر منه ، بل
يحكمونه بكفاية أن يقال ( 4 ) بالفارسية ( دو برك سبز ) كما هو المشهور بين الجمهور
شرح
( 1 ) فقد تحقق من ذلك أن الإمامة خلافة عن النبوة وقائمة مقامها ، وإذا كان كذلك كان
كل ما استدللنا به على وجوب النبوة في حكمة الله تعالى فهو بعينه دال على وجوب الإمامة
في حكمته أيضا ، لأنها سادة مسدها قائمة مقامها لا فرق بينها وبينها إلا في تلقي الوحي
الإلهي بلا واسطة بشر ، وكذا الكلام في الشرائط ، وسيأتي تحقيق الكلام فيها
إن شاء الله تعالى .
( 2 ) النساء . الآية 95 .
( 3 ) رواه في كنز العمال ( ج 1 ص 186 ط حيدر آباد )
( 4 ) كما يدل عليه ما نقله السرخسي عن أبي حنيفة في المبسوط ( ج 1 ص 37 ط مصر )
وكذا ما في كتاب الفتاوى العالمگيرية ( ج 1 ص 64 ط الآستانة ) وكذا ما فيه أيضا
في ( ص 65 ) وغيرها من كتبهم ، ومن الموارد التي صرح فيه بما ذكره مولينا القاضي
من قضية ( دوبرك سبز ) كتاب حياة الحيوان للفاضل الدميري في مسألة مناظرة الحنفية
مع الشافعية بحضرة السلطان فراجع .