إيراد الإمام الرازي لذلك على سبيل النقض إيراد غيره من الأشاعرة إياها على
طريق الاستدلال كيف ؟ وقد صرح الشارح الجديد للتجريد في بحث العلم من الأعراض
بأن الأشاعرة استدلوا بذلك ، حيث قال إن الأشاعرة لما استدلوا على كون أفعال
العباد اضطرارية بأن الله تعالى عالم في الأزل بصدورها عنهم ، فيستحيل انفكاكهم
عنها لامتناع خلاف ما علمه تعالى فكانت لازمة لهم ، فلا تكون اختيارية وأجاب ( 1 )
المعتزلة بأن العلم تابع للمعلوم فلا يكون علة له ، قال الأشاعرة : كيف يجوز أن
يكون علمه الأزلي تابعا لما هو متأخر عنه فإنه يستلزم الدور ؟ فأجابوا : بأنا
لا نعني التابعية هيهنا التأخر حتى يلزم الدور ، بل أصالة موازنة في التطابق الخ
شرح
( 1 ) وقد أجاب بعض المدققين من مشاهير أصحابنا بأن الحق أن فعل العبد بقدرته واختياره ،
لكن قدرته واختياره ليسا باختياره ، وإلا لزم التسلسل ، وهما أمران حادثان ما لم يجبا لم
يوجدا ، وإنما يوجدان وجوبا بإرادة الله تعالى وإذا أوجدهما الله في العبد وجب أن يصدر
عنه الفعل بهما ، وإرادته تعالى عين علمه الأزلي المتعلق بجميع ما وجد ، فعلمه موافق
للمصلحة وأنه ينبغي وجوده وبه وجد جميع الموجودات ، ففي الأزل علم الله تعالى العبد
وأنه يوجد هذه الإرادة لداع كذا ، وبهما يصدر الفعل عنه ، فعلمه أوجب وجود العبد في
حين وجده فأوجب وجود الإرادة فيه في زمان وجدت ، وبالإرادة الواجبة بعلمه تعالى
وجب وجود الفعل ، فإذا نزل إلى المبدء القريب للفعل وهو الإرادة الواجبة بالعبد الصادرة
عن أرادته تعالى صح القول : بأن الفعل باختيار العبد وإرادته ، وإذا نظر إلى أن الفعل
وجب بعلمه تعالى الذي هو عين إرادته على التحقيق يميل الذين إلى الجبر ، وهذا سر ما نقل
عن سبط رسول الله ( ص ) الذي هو عن الوحي جعفر بن محمد الصادق
( ع ) : أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، واندفع الإشكال المذكور ، لا أن علم الله
تعالى بفعل العبد في زمان معين وإن لم يجب به الفعل بلا واسطة ، لكن يجب به بوسايط
إذ يجب به وجوب العبد وقدرته وإرادته ، وبها يجب الفعل . منه ( قده ) .
وهو المولى المدقق العلامة أبو الحسن الكاشي ( ره ) .