تعالى ، وله التصرف فيهم كيف يشاء ، ألا ترى إلى قول عيسى عليه السلام حيث حكى الله
تعالى عنه ، إن تعذبهم فإنهم عبادك ، جعل العبودية سبب مصححا للتعذيب ( 1 )
والمراد أنهم ملكك ، ولك أن تتصرف فيهم كيف شئت ، فلا ظلم بالنسبة إليه تعالى
كيفما يتصرف في عباده ، هذا هو مذهب الحق الأبلج ، وما سواه بدعة وضلالة كما
ستراه وتعلمه بعد هذا في مبحث خلق الأعمال إن شاء الله تعالى ، وما ذكره من خلق
الأسود وتعذيبه بالسواد ، فهذا من باب طاماته ، وكذا ما ذكره من الأمثلة ، فإن
هذه الأشياء أعراض خلقت ، ولا يتعلق به ثواب وعقاب ، والأفعال المخلوقة ليست
مثل هذه الأعراض لأن العبد في الأفعال كاسب ومباشر ، والثواب والعقاب
بواسطة المباشرة كما ستعرف " إنتهى " .
شرح
( 1 ) الآية في سورة المائدة ، وما قبلها قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى أأنت قلت
للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق
إلى قوله تعالى : فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد إن
تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . فعلم أن المراد تعذيب
الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين ، فالمعنى أن تعذبهم على أنهم اتخذوا عيسى وأمه
إلهين فإنه حقيق لك وإن كان العبد لا يجوز تعذيبه على سيئاته لغير مولاه ، وأما أنت
فحقيق لك أن تعذبهم فإنهم عبادك ، وإن تغفر لهم ما ارتكبوه من الذنب المذكور فأنت
حقيق أيضا بذلك فإنك أنت العزيز الحكيم . فتبين أن مفاد الآية جعل العبودية سببا
مصححا للتعذيب من حيث إنه لا يجوز لغير المولى تعذيب العبد على سيئاته ، لا إن مجرد
العبودية سبب مصحح للتعذيب ولو من غير صدور سيئة عن العبد .