في دجلة ( 1 ) ويبيع متاعا أعطي في بلده عشرة دراهم في بلد آخر يحمله إليه بمشقة
عظيمة ، ويعلم أن سعره كسعر بلده بعشرة دراهم أيضا ( 2 ) ، وقبح تكليف ما لا يطاق
كتكليف الزمن الطيران إلى السماء وتعذيبه دائما على ترك هذا الفعل ، وقبح من يذم
العالم الزاهد على علمه وزهده وحسن مدحه ، وقبح مدح الجاهل الفاسق على جهله
وفسقه وحسن ذمه عليهما ، ومن كابر في ذلك فقد أنكر أجلى الضروريات ،
لأن هذا الحكم حاصل للأطفال ، والضروريات قد لا تحصل لهم " إنتهى " .
قال الناصب خفضه الله
أقول جوابه أن قبح العبث لكونه مشتملا على المفسدة لا لكونه موجبا لتعلق
الذم بالعقاب وهذا ظاهر ، وقبح مذمة العاقل وحسن مدحة الزاهد للاشتمال على
صفة الكمال والنقص ، فكل ما يذكر هذا الرجل من الدلائل هو إقامة الدليل على غير
محل النزاع ، فإن الأشاعرة معترفون بأن كل ما ذكره من الحسن والقبح عقليان
( 3 ) ، والنزاع ( 4 ) في غير هذين المعنيين ( إنتهى )
أقول : قد مر مرارا ما يقوم دفعا لهذا الجواب فتذكر .
شرح
( 1 ) أي من غير غرض عقلائي .
( 2 ) حيث لم يترتب عليه غرض عقلائي .
( 3 ) قال المصنف في نهاية الوصول : هذا المذهب أي الحكم بكون الحسن والقبح عقليين
صار إليه جميع الإمامية والكرامية والخوارج والبراهمة والثنوية وغيرهم سوى الأشاعرة حتى
أن الفلاسفة حكموا بحسن كثير من الأشياء وقبح بعضها بالعقل " إنتهى " منه " قده " .
( 4 ) وأنت خبير بأن ما يذكره الناصب من باب توجيه ما لا يرضى صاحبه والخروج عن
محل النزاع ، إذ المتنازع فيه من الصدر الأول بين علماء الاسلام هو الحسن والقبح
العقليان دون الثواب والعقاب ، والتزام الرجل بهذا المعنى من باب تشبث الغريق
بالحشيش .