وقد أدهش القرآن العرب لما سمعوه ، وحير ألبابهم وعقولهم بسحر بيانه ،
وروعة معانيه ، ودقة ائتلاف ألفاظه ومبانيه ، فمنهم من آمن به ومنهم مكفر ،
وافترقت كلمة الكافرين على وصفه ، وتباينت في نعته ، فقال بعضهم ، هو شعر ،
وقال فريق : إنه سحر ، وزعمت طائفة أنه أساطير الأولين اكتتبها محمد ، فهي
تملى عليه بكرة وأصيلا ، وذهب قوم أنه إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون .
وقال غير هؤلاء وهؤلاء : لو نشاء لقلنا مثل هذا . ولكنهم لم يقولوا هم ولا غيرهم
لان تأليف القرآن البديع ، ووصفه الغريب ، ونظمه العجيب ، قد أخذ عليهم
منافذ البيان كلها وقطع أطماعهم في معارضته ، فظلوا مقموعين مدحورين ثلاثة
وعشرين عاما ، يتجرعون مرارة الإخفاق ، ويهطعون لقوارع التبكيت ، وينغضون
رؤوسهم تحت مقارع التحدي والتعيير ، مع أنفتهم وعزتهم ، واستكمال عدتهم
وكثرة خطبائهم وشعرائهم ، وشيوع البلاغة فيهم ، والتهاب قلوبهم بنار عداوته ،
وترادف الحوافز إلى مناهضته ، وعرفانهم أن معارضته بسورة واحدة أو آيات يسيرة
أنقض لقوله ، وأفعل في إطفاء أمره ، وأنجع في تحطيم دعوته ، وتفريق الناس
عنه - من مناجزته ، ونصبهم الحرب له ، وإخطارهم بأرواحهم وأموالهم ، وخروجهم
عن أوطانهم وديارهم .
وقد ندب الله المسلمين إلى تلاوة القرآن ، وقراءة ما تيسر منه ، وحضهم على
ادكار معانيه ، وتدبر أغراضه ومراميه ، ليهتدوا ببصائره وهداه ، وليستضيئوا
بأنواره في الحياة ، حتى تكون كلمتهم فيها هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى .
فأقبل عليه علماؤهم يتدبرونه ويفسرونه ، ويجلون آياته على أعين الناس لعلهم
يشهدون ما فيها من المنافع لهم ، فيأتمروا حيث أمر ، وينتهوا حيث زجر . وأقبل
عليه غيرهم ، من أعدائه وأعدائهم ، فاتبعوا ما تشابه من آية ابتغاء الفتنة بتأويلها ،
وتحريف كلمه عن مواضعها ، وخيلت لهم أفهامهم الكليلة ، وأذهانهم العليلة ، أن
في نظمه فسادا ، وفى أسلوبه لحنا ، وفى معانيه تناقضا ، وفى نقله اضطرابا ، فنفوا
عنه صفة الاعجاز ، وسددوا نحوه المطاعن ، وبثوا حوله الشكوك . وكان الناجمون
الأولون منهم يخافتون بأقوالهم ، ويجمجمون بآرائهم ، ويستخفون بمذاهبهم
إعجاز القرآن — صفحة مقدمة المحقق 6
مساهمون: محمد بن الطيب الباقلاني
صمقدمة المحقق ٦