/ ومنها أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة ، والتصرف
البديع ، والمعاني اللطيفة ، والفوائد الغزيرة ، والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة .
والتشابه في البراعة ، على هذا الطول ، وعلى هذا القدر . وإنما تنسب إلى حكيمهم
كلمات معدودة وألفاظ قليلة ، وإلى شاعرهم ( 1 ) قصائد محصورة ، يقع فيها ما نبينه
بعد هذا من الاختلال ، ويعترضها ما نكشفه من الاختلاف ، ويشملها ( 2 ) ما نبديه
من التعمل والتكلف ، والتجوز والتعسف . وقد حصل القرآن على كثرته وطوله متناسبا
في الفصاحة ، على ما وصفه الله تعالى به ، فقال عز من قائل : ( الله نزل
أحسن الحديث كتابا متشابها ، مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ،
ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ) * ( 3 ) وقوله : ( ولو كان من عند غير الله
لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) ( 4 ) فأخبر سبحانه أن كلام الآدمي إن امتد وقع فيه
التفاوت ، وبان عليه الاختلال .
وهذا المعنى هو غير المعنى الأول الذي بدأنا بذكره ، فتأمله تعرف الفصل ( 5 ) .
* * *
/ وفى ذلك معنى ثالث : وهو أن عجيب نظمه ، وبديع تأليفه لا يتفاوت
ولا يتباين ، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها : من ذكر قصص
ومواعظ واحتجاج ، وحكم وأحكام ، وإعذار وإنذار ، ووعد ووعيد ، وتبشير
وتخويف ، وأوصاف ، وتعليم أخلاق كريمة ، وشيم رفيعة ، وسير مأثورة . وغير
ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها . ونجد كلام البليغ الكامل ، والشاعر المفلق ،
والخطيب المصقع - يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور .
فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو .
ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح .
ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين .
ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ .
هامش
( 1 ) م : " شاعر "
( 2 ) س : " ويقع فيها "
( 3 ) سورة الزمر : 23
( 4 ) سورة النساء : 82
( 5 ) س : " الفضل "