بغزارة المادة ، وعمق الفكرة ، ودقة الاستنباط وروعة البيان ، وظهرت فيها شخصيتهم
واضحة المعالم ، بينة القسمات . ومن كتب الخطابي الجليلة : كتاب " غريب
الحديث " و " معالم السنن في شرح سنن أبي داود " و " أعلام السنن في شرح
البخاري " وإعجاز القرآن " وهو أصغرها حجما .
بدأ الخطابي كتابه بقوله : " قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما
وحديثا ، وذهبوا فيه كل مذهب من القول ، وما وجدناهم - بعد - صدروا
عن ري ، وذلك لتعذر معرفة وجه الاعجاز في القرآن ، ومعرفة الامر في الوقوف
على كيفيته "
ثم عرض للأقوال التي قيلت قبله في وجوه الاعجاز ، وبدأ برأي القائلين بأن
النبي صلى الله عليه وسلم ، قد تحدى العرب قاطبة بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا
عنه ، وانقطعوا دونه . وعقب عليه بقوله : " وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينها
دلالة ، وأيسرها مؤونة ، وهو مقنع لمن لم تنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الاعجاز
فيه .
ثم ثنى برأي القائلين بأن العلة في إعجازه " الصرفة " أي صرف الهمم عن
المعارضة ، وإن كانت مقدورا عليها ، غير معجوز عنها ، إلا أن العائق من حيث
كان أمرا خارجا عن مجاري العادات - صار كسائر المعجزات . وعلق عليه بقوله :
" وهذا أيضا وجه قريب ، إلا أن دلالة الآية تشهد بخلافه ، وهي قوله سبحانه :
( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو
كان بعضهم لبعض ظهيرا ) . فأشار في ذلك إلى أمر طريقه التكلف والاجتهاد ،
وسبيله التأهب والاحتشاد ، والمعنى في الصرفة التي وصفوها لا يلائم هذه الصفة
فدل على أن المراد غيرها "
ثم ذكر رأى الطائفة التي زعمت أن إعجازه إنما هو فيما تضمنه من الاخبار عن
الكوائن في مستقبل الزمان ، وصدقت أقوالها مواقع أكوانها . ثم نقده بقوله :
" ولا يشك في أن هذا وما أشبهه من أخباره ، نوع من أنواع إعجازه ، ولكنه ليس
بالامر العام الموجود في كل سورة من سور القرآن . وقد جعل سبحانه في صفة
كل سورة أن تكون معجزة بنفسها ، لا يقدر أحد من الخلق أن يأتي بمثلها ،
إعجاز القرآن — صفحة مقدمة المحقق 13
مساهمون: محمد بن الطيب الباقلاني
صمقدمة المحقق ١٣