وله أيضا :
إرحم عباد الله يرحمك الذي عم الخلائق جوده ونواله
الراحمون لهم نصيب وافرمن رحمة الرحمن جل جلاله
اللهم يا رحمن ارحمنا ، واجعلنا من الراحمين بجاه سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين .
( قوله : الحمد لله الخ ) لما كان تمام التأليف من النعم حمد الله عليه كما حمده على ابتدائه ، فكأنه قال : الحمد لله
الذي أقدرني على إتمامه كما أقدرني على ابتدائه . واختار الجملة الاسمية لإفادتها الدوام المناسب للمقام . ( وقوله :
حمدا ) مفعول مطلق منصوب بمثله ، وهو الحمد الواقع مبتدأ . ( وقوله : يوافي نعمه ) أي يقابلها بحيث يكون بقدرها ، فلا
تقع نعمة إلا مقابلة بهذا الحمد ، بحيث يكون الحمد بإزاء جميع النعم ، وهذا على سبيل المبالغة بحسب ما ترجاه ، وإلا
فكل نعمة تحتاج إلى حمد مستقل . ( وقوله : ويكافئ ) بهمزة في آخره بمعنى يساوي . ( وقوله : مزيده ) مصدر ميمي ،
والضمير لله تعالى : أي يساوي الحمد ما زاده تعالى من النعم . والمعنى أن المؤلف ترجى أن يكون الحمد الذي أتى به
موفيا بحق النعم الحاصلة بالفعل ، ومساويا بما يزيده منها في المستقبل .
واعلم أن أفضل المحامد هذه الصيغة لما ورد : إن الله لما أهبط أبانا آدم إلى الأرض قال : يا رب علمني
المكاسب وعلمني كلمة تجمع لي فيها المحامد ، فأوحى الله إليه أن قل ثلاثا عند كل صباح ومساء : الحمد لله حمدا
يوافي نعمه ويكافئ مزيده . ولهذا لو حلف إنسان ليحمدن الله بمجامع المحامد بر بذلك . وقال بعض العارفين :
الحمد لله ثمانية أحرف كأبواب الجنة ، فمن قالها عن صفاء قلب ، استحق أن يدخل الجنة من أيها شاء .
( قوله : وصلى الله وسلم الخ ) أي اللهم صل وسلم ، فهي جملة خبرية لفظا إنشائية معنى ، وأتى بالفعلين بصيغة
الماضي رجاءا التحقق حصول المسؤول . وقد تقدم الكلام على الصلاة والسلام في خطبة الكتاب فارجع إليه إن شئت .
( وقوله : أفضل صلاة ) نائب عن المفعول المطلق لصلى : أي صلى الله عليه صلاة موصوفة بكونها أفضل الصلوات
الصادرة منك على خلقك ، أو الصادرة منهم على الأنبياء والمرسلين . ( وقوله : وأكمل سلام ) نائب عن المفعول المطلق
أيضا لقوله وسلم : أي وسلم عليه سلاما موصوفا بكونه أكمل السلام : أي التحية الصادرة منك على خلقك ، أو من
خلقك على الأنبياء والمرسلين . ( قوله : على أشرف مخلوقاته ) متعلق بكل من صلى وسلم ، أي صلى الله وسلم على
أفضل المخلوقات ، أي على الاطلاق كما قال صاحب الجوهرة :
وأفضل الخلق على الاطلاق نبينا فمل عن الشقاق
( وقوله : محمد ) بالجر بدل من أشرف ، ويصح رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، ونصبه على أنه مفعول لفعل
محذوف . ( قوله : وآله ) معطوف على أشرف ، والضمير يعود على محمد : أي وصلى الله وسلم على آل محمد ، أي
أتباعه ، ولو عصاة لان المقام مقام دعاء . والعاصي أحوج إلى الدعاء من غيره . ( قوله : وأصحابه ) معطوف على أشرف ،
والضمير يعود على سيدنا محمد : أي وصلى الله وسلم على أصحابه ، وهو جمع صاحب ، والمراد به صاحب النبي ( ص ) ،
وهو من اجتمع بنبينا ( ص ) اجتماعا متعارفا مؤمنا به ، ولو أعمى وغير مميز .
فإن قلت : لم قدم الآل على الأصحاب مع أن فيهم من هو أشرف الأنام بعد المصطفى ( ص ) وهو أبو بكر .
فالجواب أن الصلاة على الآل ثبتت بالنص في قوله ( ص ) قولوا : اللهم صل على محمد وآله الحديث ، وعلى
الصحب بالقياس على الآل ، فاقتضى ذلك التقدم .
إعانة الطالبين — صفحة 387
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٣٨٧