هذا الحديث ثلاثة أجوبة . فتنبه . ( قوله : ويجب على من أفطر إلخ ) أي لقوله تعالى : * ( وعلى الذين يطيقونه ) * أي بناء
على أن كلمة لا مقدرة ، أي : لا يطيقونه ، أو أن المراد يطيقونه في الشباب والصحة ثم يعجزون عنه بعد الكبر أو المرض
الذي لا يرجى برؤه . وروي البخاري أن ابن عباس رضي الله عنهما وعائشة رضي الله عنها كانا يقرآن : * ( وعلى الذي
يطوقونه ) * ومعناه يكلفون الصوم فلا يطيقونه ، وقيل : الآية على ظاهرها من أن الذين يطيقونه يخرجون فدية إن لم
يصوموا ، فكانوا مخيرين في صدر الاسلام بين الصوم وإخراج الفدية . ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : * ( فمن شهد منكم
الشهر فليصمه ) * فعلى الأول تكون الآية محكمة - أي غير منسوخة - وعلى الثاني تكون منسوخة ، وهو قول أكثر العلماء .
( قوله : في رمضان ) خرج به الكفارة ، والنذر وقضاء رمضان ، فلا فدية للافطار في شئ من ذلك . ( قوله : لعذر لا يرجى
زواله ) فإن كان يرجى زواله - كالمرض المرجو زواله ، وكالسفر - فعليهما القضاء فقط - كما تقدم . ( قوله : ككبر ) أي
لشخص ، بأن صار شيخا هرما لا يطيق الصوم في زمن من الأزمان ، وإلا لزمه إيقاعه فيما يطيقه فيه . ومثله كل عاجز عن
صوم واجب - سواء رمضان وغيره - لزمانة ، أو مرض لا يرجى برؤه ، أو مشقة شديدة تلحقه ، ولم يتكلفه . اه . نهاية .
( قوله : ومرض لا يرجى برؤه ) أي بقول عدلين من الأطباء ، أو عدل عند من اكتفى به في جواز التيمم للمرض ، فلو برئ
بعد ذلك - ولو قبل إخراج الفدية : على المعتمد - لم يلزمه القضاء . ( قوله : مد ) هو رطل وثلث ، وهو نصف قدح بالكيل
المصري . والمعتبر : الكيل ، لا الوزن . وإنما قدر به استظهارا . ( وقوله : لكل يوم ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف
صفة لمد ، أي مد واجب لكل يوم ، أي لصوم كل يوم . ( وقوله : منه ) أي رمضان . ( قوله : إن كان موسرا حينئذ ) أي حين
الافطار . وهو قيد لوجوب المد . وخرج به الفقير المعسر حينئذ ، فلا فدية عليه .
وهذا هو الذي صححه النووي في المجموع ، وارتضاه ابن حجر ، وعبارته : وقضية كلام المتن وغيره وجوبها : أي
الفدية ، ولو على فقير فتستقر في ذمته . لكنه صحح في المجموع سقوطها عنه - كالفطرة - لأنه عاجز حال التكليف بها ،
وليست في مقابلة جناية ونحوها .
( فإن قلت ) ينافيه قولهم حق الله المالي إذا عجز عنه العبد وقت الوجوب ثبت في ذمته ، وإن لم يكن على جهة
البدل - إذا كان بسبب منه - وهو هنا كذلك ، إذ سببه فطره .
( قلت ) كون السبب فطره ممنوع ، وإلا لزمت الفدية للقادر ، فعلمنا أن السبب إنما هو عجزه المقتضي لفطره ، وهو
ليس من فعله ، فاتضح ما في المجموع . فتأمله . اه .
وصحح الرملي والخطيب خلافه ، وهو أنه لا يشترط يساره حينئذ ، فتجب الفدية عندهما على الفقير ، قالا : وفائدة
الوجوب عليه أنها تستقر في ذمته .
( قوله : بلا قضاء ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لمد ، أي مد كائن من غير قضاء . ( قوله : وإن قدر عليه
بعد ) غاية لعدم وجوب القضاء : أي لا يجب عليه القضاء وإن قدر على الصوم بعد الفطر .
( فإن قيل ) ما الفرق بينه وبين المعضوب ، حيث يلزمه الحج بالقدرة عليه بعد الإحجاج عنه بالنيابة .
( أجيب ) بأن المعذور هنا مخاطب بالمد ابتداء - كما سيأتي قريبا - فأجزأ عنه ، والمعضوب مخاطب بالحج ، وإنما
جاز له الإنابة للضرورة ، وقد بان عدمها .
( قوله : لأنه إلخ ) علة لعدم وجوب القضاء إذا قدر عليه ، وإنما لم يجب عليه حينئذ لأنه غير مخاطب بالصوم عند
العجز ، بل بالفدية فقط . ( قوله : فالفدية في حقه واجبة ابتداء ) تفريع على العلة ، أي وإذا ثبت أنه غير مخاطب بالصوم
إعانة الطالبين — صفحة 272
مساهمون: البكري الدمياطي
ص٢٧٢