رواية عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) قال : « اتقوا على دينكم وأحيوه بالتقية ، فإنه لا إيمان لمن لا تقية له ، إنما أنتم من الناس كالنحل في الطير ، ولو أن الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلاّ أكلته ، ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبون أهل البيت ( عليهم السلام ) لأكلوكم بألسنتهم ، ولنحلوكم بالسرّ والعلانية ، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا » ( 1 ) .
لماذا منهج التقية
والسبب في اتخاذ هذا الإجراء هو أن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) كانت أمامهم عدّة خيارات رئيسية في مواجهة عمليات القمع والارهاب ، - بل الإبادة أحياناً - لشيعتهم :
1 - الانعزال عن المجتمع :
الخيار الأول : الطلب من أتباعهم الانعزال عن مجتمع المسلمين والانكفاء على الذات والهروب بالنفس والأهل إلى المناطق النائية التي لا تتمكّن السلطة من الوصول إليهم فيها ، كالجبال والكهوف والغابات ، وبذلك يتمكّن أتباع أهل البيت أن يمارسوا شعائرهم كاملة ، كما هي مطلوبة منهم في الواقع ، ويظهروا معتقداتهم التي تخالف عقائد الآخرين في تفصيلاتها وخصوصياتها ( 2 ) .
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 11 : 461 ، ح 8 عن الكافي . وبالرغم من أن جميع المسلمين بل والعقلاء يلتزمون بهذا السلوك الاجتماعي والسياسي بشكل إجمالي ، بل إن بعض الجماعات الاسلامية حاولت إعطاء مبررات لهذا السلوك ، ووضعت روايات على لسان النبي من أجل مهادنة الحاكم الظالم ومسايرته والرضوخ إليه ، فحولته إلى منهج ثابت بدل أن يكون حالة استثنائية اضطرارية . ولكن مع ذلك عرف هذا المنهج عن أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) لأسباب : منها أنهم كانوا يتعرضون إلى القمع باستمرار ، وأنهم بيّنوا أن السكوت للضرورة وليس ديناً ، كما أنهم ( عليهم السلام ) ذكروا التقية كمنهج محدد المعالم والآفاق على ما سوف نعرف ذلك بشكل إجمالي .
( 2 ) لا يوجد اختلاف بين أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) وعامة المسلمين في القضايا العقائدية الأساسية ، وإنما يوجد الاختلاف في بعض التفاصيل ، وكذلك في قضية الإمامة للمسلمين والخلافة للرسول ، وأنها هل هي بالنص - كما يذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وأتباعهم إلى ذلك - حيث نص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على إمامة علي والأئمة الأحد عشر من ولده ( عليهم السلام ) ، أو أن الأمر قد تركه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للمسلمين ليضعوا لأنفسهم ويختاروا ما يشاؤون ويريدون دون تحديد من الشريعة ، أو أن الشريعة حدّدت المنهج بالشورى التي لم يعمل بها المسلمون إلاّ في خلافة أبي بكر فقط بطريقة ، وفي خلافة عثمان بطريقة ثانية ، وفي خلافة علي بطريقة ثالثة .