« أوَمنهم من ينكر حقّنا ويستبدّ علينا » ( 1 ) .
فهذا الجواب يوضّح لنا أنّ الخلافة ليست بيعة ، حتّى يوافق الإمام على ذلك العرض ، وإنّما هي حقّ من الحقوق يؤخذ ولا يعطى ، فحذف الكاتب هذه العبارة التي تفسّر لنا عقليّة الصحابة الذين لا يستطعيون أن ينكروا حقّه في الإمامة والخلافة ، إلاّ أن يقوموا بانقلاب - كما نسمّيه اليوم - على كلّ ما هو سائد لدى القوم . فحذف الكاتب تلك العبارة ليزوّر الحقائق ويشوّش ذهن القارئ .
ولم يقف عند هذا الحد ، بل جاء بما هو أسوأ من ذلك ، جاء بالمعونة التي قدمها أبو سفيان للإمام علي ( عليه السلام ) عندما قال له : ( ابسط يدك أُبايعك فوالله لأملأها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً ) ، وجعل من رفض الإمام علي ( عليه السلام ) دليلاً على إيمانه بالشورى ( 2 ) ، ولكنّه عاد من جديد وحذف جواب الإمام « ويحك يا أبا سفيان ، هذه من دواهيك » .
وعجباً لرجل يأتي في القرن العشرين ، ويستدل بعروض أبي سفيان بعدما عرف المؤالف والمخالف مَنْ هو أبو سفيان ، ولماذا عرض ذلك على الإمام ؟ وما هو قصده ؟ وهل آل الأمر بعلي بن أبي طالب أن ينتصر لدين الله بعدوّ الله أبي سفيان !
ولعلّ الكاتب استدلّ على إيمان الإمام علي ( عليه السلام ) بالشورى من عبارة أُخرى موضوعة ذُكرت في الرواية ، وهي : « ويحك يا أبا سفيان ، هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبي بكر » ( 3 ) .
فهذا الاجتماع المزعوم لم يؤيّده عمر بن الخطّاب الذي وصف لنا أجواء السقيفة بقوله : ( كثر اللغط وارتفعت الأصوات ) ( 4 ) ، فضلاً عن أمير المؤمنين الذي لا يملك اجتماع الناس على الخلافة أي مساحة في حساباته ، فهو يقول في هذا المجال : « لا يقاس بآل محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من هذه الأمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : ج 1 ، ص 160 .
( 2 ) أحمد الكاتب ، تطوّر الفكر السياسي : ص 20 - 21 .
( 3 ) أحمد الكاتب ، تطوّر الفكر السياسي : ص 21 .
( 4 ) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج 14 ، ص 111 ، طبعة دار الفكر .