واشتد البلاء والحصر على المسلمين وشغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلا ولا نهارا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث رجلا فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من أصابه فقال هل أنت مطلع القوم فاعتل فتركه وأتى آخر فقال مثل ذلك وحذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك صامت لا يتكلم مما به من الضر والبلاء فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يدري من هو فقال من هذا قال أنا حذيفة بن اليمان قال إياك أريد أسمعت حديثي منذ الليلة ومسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا خبر القوم قال حذيفة والذي بعثك بالحق إنه لبأذني قال فما منعك أن تقوم حين سمعت كلامي قال الضر والجوع فلما ذكر الجوع ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك وعن يمنيك وعن شمالك حتى ترجع إلينا فقام حذيفة مستبشرا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه احتمل احتمالا فما شق من جوع ولا خوف ولا درى شيئا مما أصابه قبل ذلك من البلاء فانلطق حتى أجاز الخندق من أعلاه فجلس بين ظهري المشركين فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا النيران وقال ليعلم كل امرئ من جليسه فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه فقال من أنت قال أنا فلان وقبض يد رجل عن يساره قال من أنت قال أنا فلان وبدرهم بالمسألة خشية أن يفطنوا له
ثم أن أبا سفيان أذن بالرحيل فارتحلوا وحملوا الأثقال فانطلقت ووقفت الخيل ساعة من الليل ثم انطلقت وسمعت غطفان الصياح والإرصاء من قبل قريش فبعثوا إليهم فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا لا يلوون على شيء وقد كان الله عز وجل قبل رحيلهم قد بعث عليهم بالريح بضع عشرة ليلة حتى ما خلق الله لهم بيتا يقوم ولا رمحا حتى ما كان في الأرض منزل أشد عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك فأقشعوا والريح أشد ما كانت معها جنود الله لا ترى كما قال الله عز وجل
دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة — صفحة 406
مساهمون: أحمد بن الحسين البيهقي
ص٤٠٦