المحمدية في تلك الربوع وكيف لا يصبو إليها وقد تعلقت نفسه بهذه المقامات حتى كاد لسانه لا يتلفظ إلَّا بها .
وقد كان يشتاق دائما للوصول إلى مكة وشعابها . وإلى الحجاز ورحابها لكن الله لم يفتح عليه إلا بعد وفاة والده في مصر . وحصل ذلك عند دخوله المدرسة السيوفية بالقاهرة . إذ وجد شيخا بقالا على باب المدرسة ، يتوضأ بوضوء غير مرتب . فقال له : يا شيخ أنت في هذا السن ، على باب المدرسة بين فقهاء المسلمين وتتوضأ وضوءا خارجا عن الترتيب الشرعي ؟ . فنظر إليه وقال : يا عمر « 1 » ، أنت ما يفتح عليك في مصر ، إنّما يفتح عليك بالحجاز ، في مكة ، شرفها الله تعالى ، فاقصدها ، فقد آن لك وقت الفتح . فعلم أن الرجل من أولياء الله ، وأنه يتستر بالمعيشة وإظهار الجهل بلا ترتيب الوضوء . فجلس بين يديه وقال له : يا سيدي وأين أنا وأين مكة ؟ لا أجد ركبا ولا رفقة في غير أشهر الحج فنظر الشيخ إليه وأشار بيده وقال : هذه مكة أمامك . يقول ابن الفارض : فنظرت معه فرأيت مكة شرفها الله فتركته وطلبتها فلم تبرح أمامي إلى أن دخلتها في ذلك الوقت ، وجاءني الفتح حين دخلتها فترادف « 2 » ولم ينقطع وإلى ذلك يشير في شعره :
يا سميري روّح بمكة روحي
شاديا إن رغبت في إسعادي
كان فيها أنسي ومعراج قدسي
ومقامي المقام ، والفتح بادي
ثم يتابع الشيخ عمر ابن الفارض فيقول :
ثم شرعت في السياحة في أودية مكة وجبالها وكنت أستأنس فيها بالوحوش ليلا ونهارا وإلى ذلك يقول في تائيته :
فلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا « 3 »
وبالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي
هامش
« 1 » عمر : الاسم الأول لشيخنا ابن الفارض .
« 2 » ترادف : جاء تكرارا .
« 3 » الفلا : الفلاة اي الأرض الواسعة يشير بها إلى بلاد الحجاز .