الأمر الثالث : أن الخلاف المذكور لا يجرى في المصنفات ، فإنها لا يجوز تغييرها
أصلا وإبدالها بلفظ آخر وإن كان بمعناه على وجه لا يخرج بالتغيير عن وضعه
ومقصود مصنفه ، لأن النقل بالمعنى إنما رخص فيه لما في الجمود على الألفاظ من الحرج
وذلك غير موجود في المصنفات المدونة في الأوراق ، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس
يملك تغيير تصنيف غيره كما هو ظاهر ، نعم لو دعا إلى النقل بالمعنى شئ ونبه على كون
نقله بالمعنى جاز .
الأمر الرابع : أنه ينبغي لراوي حديث بالمعنى والشاك في أنه نقل باللفظ
أو بالمعنى أن يقول بعد الفراغ من الحديث : أو كما قال ، أو نحوه ، أو شبهه ، أو ما أشبهه
عاطفا له على كلمة " قال " التي ذكرها في ابتداء النقل .
وقد روي أو قوما من الصحابة كانوا يفعلون ذلك وهم أعلم الناس
بمعاني الكلام خوفا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر ، فعن ابن مسعود أنه
قال يوما : " قال رسول الله صلى الله عليه وآله " فاغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه ، ثم قال :
أو مثله أو نحوه أو شبيها به ، وعن أبي الدرداء أنه كان إذا حدث عن رسول الله
صلى الله عليه وآله قال : أو نحوه أو شبهه ، وعن أنس بن مالك أنه كان إذا حدث عن
رسول الله صلى الله عليه وآله ففرغ ، قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله " .
وقال بعضهم : إنه إذا اشتبهت على القارئ لفظة فحسن أن يقول بعد قراءتها
على الشك : " أو كما قال " لتضمنه إجازة من الشيخ وإذنا في رواية صوابها عنه إذا بان .
الأمر الخامس : أن الراوي الثقة إذا روى مجملا وفسره بأحد محامله فالأكثر
كما في القوانين على لزوم حمله عليه بخلاف ما لو روى ظاهرا وحمله على خلاف
الظاهر ، لأن فهم الراوي الثقة قرينه وليس له معارض من جهة اللفظ لعدم دلالة
المجمل على شئ بخلاف الثاني ، فإن فهمه معارض بالظاهر الذي هو حجة .
وناقش في ذلك في القوانين بأن " مقتضى الظاهر العمل عليه ، فمقتضى المجمل
السكوت عنه ، ولا يتفاوت الحال مع أن الظاهر إنما يعتبر لأن الظاهر أنه هو الظاهر
عند المخاطب بالحديث لا لظهوره عندنا ، لأن الخطاب مختص بالمشافهين كما بيناه
في محله ، فإذا ذكر المخاطب به أن مراده هو ما هو خلاف الظاهر فالظاهر اعتباره ، ولا أقل
دراسات في علم الدراية — صفحة 194
مساهمون: علي أكبر الغفاري
ص١٩٤