لماذا فعل به هذا ؟ ! ولماذا شتم على رؤوس الأشهاد ؟ ! ولماذا اخرج من مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مهانا عنفا ؟ ! ولماذا ضرب به الأرض فدقّت أضالعه ؟ ! ولما بطشوا به بطش الجبّارين ؟ !
كلّ ذلك لأنّه امتنع عن أن يبيح للوليد بن عقبة الخالع الماجن من بيت مال الكوفة يوم كان عليه ما امر به ، فألق مفاتيح بيت المال لمّا لم يجد من الكتاب والسنّة وهو العليم بهما مساغا لهاتيك الإباحة ولا لأثرة الآمر بها .
ولابن مسعود عند القوم مظلمة أخرى ؛ وهي جلده أربعين سوطا في موقف آخر . لماذا كان ذلك ؟ لأنّه دفن أبا ذرّ لمّا حضر موته في حجّته . وجد بالربذة في ذلك الوادي القفر الوعر ميّتا كان في الغارب والسنام من العلم والإيمان .
وجد صحابيّا عظيما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقرّبه ويدنيه قد فارق الدنيا .
وجد عالما من علماء المسلمين قد غادرته الحياة .
وجد مثالا للقداسة والتقوى ، فتمثّل أمام عينيه تلك الصورة المكبّرة الّتي كان يشاهدها على العهد النبويّ .
وجد شبيه عيسى بن مريم في الامّة المرحومة هديا وسمتا ونسكا وزهدا وخلقا ، طرده خليفة الوقت عن عاصمة الإسلام .
وجد عزيزا من أعزّاء الصحابة على اللّه ورسوله وعلى المؤمنين قد أودى على مستوى الهوان في قاعة المنفى مظلوما مضطهدا .
وجد في قارعة الطريق جثمان طيّب طاهر غريب وحيد نازح عن الأوطان تصهره الشمس ، وتسفي عليه الرياح ، وذكر قول رسول اللّه : « رحم اللّه أبا ذرّ يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويحشر وحده » .
فلم يدع العلم والدين ابن مسعود ومن معه من المؤمنين أن يمرّوا على ذلك
سلسلة الغدير الموضوعية ( علي عليه السلام والخلفاء ) بحث مستل من موسوعة الغدير للعلامة الأميني — صفحة 125
مساهمون: محمد حسن الشفيعي الشاهرودي
ص١٢٥