فلما حضر وقت الغداء صوّت بغلامه « 1 » وكان ضخما جهير « 2 » الصوت ، صاحب تقعير « 3 » وتفخيم وتشديق « 4 » وهمز « 5 » وجزم « 6 » : يا مبشّر هات من الخبز تمام عدد الرؤوس .
قلت : ومن فرض لهم هذه الفريضة ؟ ومن جزم عليهم هذا الجزم ؟
أرأيت أن لم يشبع أحدهم رغيفه أليس لا بد له من أن يعوّل على رغيف صاحبه ، أو يتنحّى وعليه بقيّة ، ويعلَّق يده منتظرا للعادة فقد عاد الأمر وبطل ما تناظرنا فيه .
قال : لا أعلم إلا ترك الطعام البتّة ؛ أهون علينا من هذه الخصومة .
قلت : هذا ما لا شك فيه ، وقد عملت عندي بالصواب ، وأخذت لنفسك بالثقة ، إن وفيت بهذا القول .
وكان كثيرا ما يقول : يا غلام هات شيئا من قليّه « 7 » وأقلّ منها وأعد لنا ماء باردا وأكثر منه . وكان يقول : قد تغير كل شيء من أمر الدنيا ، وحال عن أمره وتبدل ، حتى المؤاكلة . قاتل اللَّه رجالا كنا نؤاكلهم ، ما رأيت قصعة قط رفعت من بين أيديهم إلا وفيها فضل . وكانوا يعلمون أن إحضار الجدي إنما هو شيء من آيين « 8 » الموائد الرفيعة ، وإنما جعل كالعاقبة والخاتمة ، وكالعلامة لليسر وللفراغ ، وأنه لم يحضر للتمزيق والتخريب ، وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدّموه قبل كل شيء لتقع الحدّة به . بل ما يأكل منه إذا جيء به إلا العابث ، وإلا الذي لو لم يره
هامش
« 1 » صوّت بغلامه : ناداه بصوت عال .
« 2 » جهير الصوت : صياحه .
« 3 » تقعير : إرسال الصوت من اعماق الحلق .
« 4 » التشديق : توسيع الفم ليخرج الصوت ضخما .
« 5 » الهمز : التشديد لتبنيه من يصفي إليه .
« 6 » الجزم : القطع . تسكين كلمات محددة .
« 7 » قليّة : ما قلي فجعل مع الطبيخ ليطيبه .
« 8 » آيين : طبيعة ، عادة .