ينقل عن الشافعي نص في هذه المسألة بخصوصها وإنما أخذ من مذهبه في مسألة المحدود بالقذف ونحن نبين أن الشافعي إنما صار إلى ذلك لأن ذكر الجمل هناك لم يكن إضرابا عن الجملة المتقدمة لأن الآيات سيقت لغرض واحد هو الجزاء على تلك الجريمة انتهى وقد اختاره ابن السمعاني في القواطع أيضا فقال إذا لم يكن خروجا من قضية إلى قضية أخرى لا يليق بها عاد إلى الكل وإلا اختص بالأخيرة ونظيره اضرب بني تميم والأشراف هم قريش إلا أهل البلد الفلاني وهذا لأنه لما عدل الأول إلى مثل هذا وأحدهما لا يليق بالآخر أو أحدهما قضية والأخرى قضية أخرى دل على أنه استوفى غرضه من الأول لأنه لا شيء أدل على استيفاء الغرض بالكلام من العدول عنه إلى نوع آخر من الكلام وعلى هذا إذا قال من استقامت طريقته فأكرمه ومن عصاك فاضربه إلا أن يتوب فالاستثناء ينصرف إلى ما يليه أيضا انتهى .
وحاصله أنه إن صلح العود إلى الكل عاد إليه وإلا فلا وهذا تحرير لمذهب الشافعي في الحقيقة كما سيأتي فلا ينبغي أن يعد مذهبا آخر .
وقال في المقترح لا خلاف في صلاحية اللفظ لعوده إلى الجميع أو البعض وإنما النزاع في أنه هل هو ظاهر في الجميع ولا يحمل على الأخيرة إلا بدليل أو بالعكس فأبو حنيفة يقول بالثاني والشافعي بالأول .
وقال صاحب المصادر الخلاف في هذه المسألة إنما نشأ من اختلافهم في الفروع من المحدود في القذف هل تقبل شهادته بعد التوبة أم لا على معنى أنهم اختلفوا في هذه المسألة التي هي فرع حداهم هذا الاختلاف الذي هو أصل لذلك الفرع لا أنهم ذهبوا فيما هو فرع هذا الأصل إلى مذاهب ثم رتبوا عليه هذا الأصل لأن هذا عكس الواجب من حيث إن الفرع يترتب على أصله ويستوي عليه لا أن يترتب الأصل على فرعه ويستوي عليه على مقدار المبتاع في أنه غير صحيح ولا يستقيم إذا الصحيح المستقيم أن يستوي مقدار المبتاع الموزون على الصنجة المعتدلة انتهى .
واعلم أن للقول بعوده إلى الجميع عندنا شروطا :
الأول أن تكون الجمل متعاطفة فإن لم يكن عطف فلا يعود إلى الجميع قطعا بل يختص بالأخيرة إذ لا ارتباط بين الجملتين وممن صرح بهذا الشرط القاضيان أبو بكر في التقريب وأبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وابن القشيري والآمدي وابن الساعاتي والهندي وغيرهم وأما من أطلق فأمره
البحر المحيط في أصول الفقه — صفحة 453
مساهمون: الزركشي
ص٤٥٣