عرض الفلاة ، ويطوي الأودية ويعلو الجبال حتى قدم مكة يوم الحج الأكبر
فنزل عن راحلته ، وأقبل إلى بيت الله الحرام ، فسعى وطاف به ، وتعلق بأستاره ،
وابتهل بدعائه ، وأنشأ يقول :
يا من إليه أتى الحجاج بالجهد * فوق المهاد من أقصى غاية العبد ( 1 )
إني أتيتك يا من لا يخيب من * يدعوه مبتهلا بالواحد الصمد
هذا منازل من يرتاع من عققي * فخذ بحقي يا جبار من ولدي ( 2 )
حتى تشل بعون منك جانبه * يا من تقدس لم يولد ولم يلد
قال : فوالذي سمك السماء ، وأنبع الماء ، ما استتم دعاءه حتى نزل بي ما ترى
- ثم كشف عن يمينه ، فإذا بجانبه قد شل - فأنا منذ ثلاث سنين أطلب إليه أن يدعو
لي في الموضع الذي دعا به علي ، فلم يجبني ، حتى إذا كان العام أنعم على فخرجت
به على ناقة عشراء ( 3 ) أجد السير حثيثا رجاء العافية ، حتى إذا كنا على الأراك
وحطمة وادي السياك ( 4 ) نفر طائر في الليل فنفرت منه الناقة التي كان عليها ، فألقته
هامش
( 1 ) المهاد : الفراش ، والوطاء يمهد على البعير ، وفى المصدر : المهار ، وهو جمع
مهر بالضم ولد الفرس ، وفى كل النسخ بزيادة الياء " المهادى " و " المهارى " ، وليس بصحيح .
( 2 ) منازل اسم هذا الرجل الراوي كما تقدم ولذا يقول : " هذا منازل " وفى طبعة
المصدر التي عندنا " من يرتاع " كما في المتن ، وهو تصحيف نشأ من سوء فهم الكتاب فإنهم
ظنوا أن " منازل " جمع منزل فبدلوا قوله " هذا منازل لا يرتاع من عققي " كما في طبعة أخرى
من المصدر بقولهم " هذا منازل من يرتاع من عققي " . فعمى عليهم المعنى .
( 3 ) العشراء - كالنفساء - من النوق : التي مضت لحملها عشرة أشهر .
( 4 ) الأراك : واد قرب مكة قاله في المراصد ، وفي القاموس : " موضع بعرفات قرب
نمرة " والاراك شجر من الحمض ، - يستاك به ، ولعل الموضع لكثرة شجر الأراك فيه سمى
بالأراك . والمراد بوادي السياك ، هو ذلك الوادي نفسه ، سماه وادى السياك لاتخاذهم
السواك والسياك من ذلك الموضع ، وحطمة الوادي : مواضعه المتكسرة ، أو هو خطمة الوادي :
يعنى أنفه وأعلاه .