الكلام ، أوضح من أن يتكلف الدلالة عليه .
وقد قال السيد : وعندي أن التحدي وقع بالاتيان بمثله في فصاحته وطريقته
في النظم ، ولم يكن بأحد الامرين ، ولو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز
موزون أو بمنثور من الكلام ، ليس له طريقة القرآن في النظم ، لم تكن واقعة موقعها
والصرفة على هذا إنما كانت بأن يسلب الله كل من رام المعارضة للعلوم التي يتأتى
معها مثل فصاحة القرآن وطريقته في النظم ، ولهذا لا يصاب في كلام العرب ما
يقارب القرآن في فصاحته ونظمه .
وأما القائلون بأن إعجاز القرآن في النظم المخصوص ، قالوا : لما وجدنا
الكلام منظوما موزونا ومنثورا غير موزون ، والمنظوم هو الشعر وأكثر الناس لا
يقدرون عليه ، فجعل الله تعالى معجز نبيه النمط المذي يقدر عليه كل أحد ، ولا
يتعذر نوعه في كلهم ، وهو الذي ليس بموزون ، فيلزم حجته الجميع .
والذي يجب أن يعلم في العلم باعجاز النظم ، هو أن يعلم مباني الكلام وأسباب
الفصاحة في ألفاظها ، وكيفية ترتيبها ، وتباين ألفاظها ، وكيفية الفرق بين
الفصيح والأفصح ، والبليغ والأبلغ ، وتعرف مقادير النظم والأوزان ، وما به
يبين المنظوم من المنثور ، وفواصل الكلام ، ومقاطعه ، ومباديه ، وأنواع مؤلفه
ومنظومه ، ثم ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنه من أي نوع هو ؟ وكيف فضل
على ما فضل عليه من أنواع الكلام ، حتى يعلم أنه من نظم مباين لساير المنظوم
ونمط خارج من جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم : من أنواع الخطيب والرسائل
والشعر ، والمنظوم ، والمنثور ، والرجز ، والمخمس ، والمزدوج ، والعريض
والقصير ، فإذا تأملت ذلك ، وتدبرت مقاطعه ومفاتحه ، وسهولة ألفاظه ، واستجماع
معانيه ، وأن كل واحد منها لو غيرت لم يمكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق
من تلك اللفظة ، وأدل على المعنى منها ، وأجمع للفوائد والزوائد منها ، وإذا
كان كذلك فعند تأمل جميع ذلك يتحقق ما فيه من النظم اللائق ، والمعاني الصحيحة
التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة ، وإن اجتهد البليغ والخطيب .
بحار الأنوار — صفحة 137
مساهمون: العلامة المجلسي
ص١٣٧