بسم الله الرحمن الرحيم
( 23 )
* ( باب ) *
* " ( القراءة وآدابها وأحكامها ) " *
الآيات : النحل : فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ( 1 ) .
المزمل : ورتل القرآن ترتيلا ( 2 ) .
هامش
( 1 ) النحل : 98 ، لكن خطاب الآية الكريمة متوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله
فتكون الاستعاذة المأمور بها فرضا عليه وسنة لامته صلى الله عليه وآله بالاقتداء والتأسي ، لكونها
سنة في فريضة : الاخذ بها هدى وتركها ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار .( 2 ) المزمل : 4 ، والآية توجب ترتيل القرآن بمعنى قراءته مرتلا منسقا سورة
بعد سورة حتى يأتي على آخرها ، قال عز وجل : يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا نصفه
أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا ) فأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أولا بتهجد الليل
ثم بترتيل القرآن ، الا أن أمره بقيام الليل مستقل من أمهات الكتاب ، وأمره بالترتيل
غير مستقل من المتشابهات بها ، فأوله رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الصلاة بعد تكبيرة الاحرام قبل
الركوع ، فتكون سنة في فريضة الاخذ بها هدى وتركها ضلالة ، ومن تركها عمدا بطلت
صلاته لاعراضه عن سنة الرسول الله صلى الله عليه وآله .
وإنما قلنا بقراءته سورة بعد سورة حتى يأتي على آخرها ، لاطلاق لفظ القرآن
والاطلاق في كلام الحكيم محكم ، وأما امكان ذلك في تهجد ليلة ، أو صلوات يوم وليلة
فلان سورة المزمل من أوائل السور النازلة على النبي صلى الله عليه وآله ، وقد قيل بأنها ثالث ثلاثة :
نزلت أولا سورة العلق ثم القلم ثم المزمل ، وإن كان لا يخلو عن بعد بملاحظة مضمون
الآيات الكريمة .
وكيف كان ، لازم قوله عز وجل : ( ورتل القرآن ترتيلا ) نزول صدر السورة
وفيها هذه الآية الشريفة - في ظرف كان يمكن قراءة سور القرآن منسقا ومنضدا ومرتلا
في تهجد واحد ، ولعله لم تكن السور النازلة قبلها تربو على عدد الأصابع ، وسيأتي
تأييد ذلك في الآية المتممة للعشرين من هذه السورة .
وأما الترتيل : فهو معنى لا يتعلق الا بالشئ ذي الاجزاء المختلفة والمراد تنسيق
تلك الأجزاء وتنضيدها أحسن نضد واتساق ، وانتظامها سلكا واحدا يقع كل جزء موقعه
الخاص به المناسب له من حيث الترتيب ، يقال ثغر مرتل : إذا كان مستوى النبات حسن
التنضيد ، كلام رتل : حسن التأليف ، ترتل في الكلام : ترسل وتأنق في قراءته بتبيين
الحروف وأداء الوقوف وحسن تنسيقها ، لا يندمج بعضها في بعض .
وأما القرآن الكريم ، فلما كان مشتملا على سور متعددة ، وكل سورة في طيها
آيات وكل آية مركب من جملات ، وكل جملة من كلمات ، وكل كلمة من حروف ،
كان ترتيل القرآن بقراءته سورة بعد سورة لا أقل من قراءة سورتين في ركعة ، ليتم معنى
التنسيق والتنضيد وترتيل السورة بقراءة آياتها مرتبة منسقة من دون تقديم وتأخير بين .
آياتها المتناسقة وبلا زيادة فيها ونقيصة منها ، ومنه الوقف عند تمام الآية الشريفة - كما
كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله لئلا يندمج الآية في الآية .
وأما ترتيل الآية فبقراءة جملاتها منظمة مترسلة ومنه حفظ الوقوف ، وترتيل الجملة
بقراءة الكلمات بعضها اثر بعض من دون ريث وسكتة ، ومنه رعاية الوقف بالحركة
والوصل بالسكون ، وترتيل الكلمة بترسيل الحروف متسقة وتبيينها من مخارجها منتظمة
لا يندمج بعضها في بعض .
ومن الترتيل وحسن الترسل في القراءة أن يتأنق في اعلاء صوته حين القراءة كما
يتأنق الخطيب المصقع يتصوب بصوته تارة ويتصعد به أخرى حسب مقتضى المقام ، فلو علا
بصوته في كلمة ثم خفض صوته بالكلمة بعدها وهكذا بحيث صار مخالفا لطبع القراءة كان
خارجا عن الترتيل الواجب عليه بالسنة ، والكلام في الاسراع بالقراءة والابطاء فيها
كالكلام في اعلاء الصوت واخفاضها لايا بلاى .
ويؤيد هذا المعنى بل يصرح به قوله تعالى : ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن
جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ) الفرقان : 33 ، لان المعنى انا
أنزلنا القرآن متفرقا بين قطعاتها سورة سورة لنثبت به فؤادك بانزال كل سورة عند الحاجة
إليها ولتقرءه على الناس على مكث ، فيتعلموه ويتأنسوا به .
لكنه مع ذلك لم يكن التفريق بين قطعة وقطعة وبين سورة وسورة ، وآية وآية
كتفرقة الدقل ونثره ونثر الشذر بانقطاع سلكه ، بل رتلناه ترتيلا يتسق نظام آياته
وينتظم نطاق قصصه وعبره ، ويتنضد سياق حكمه وأمثاله ، وزواجره ورغائبه ، مع ما
في طيها من أحكام المعاملات والعبادات وقد وقع كل موقعه بحسن التأليف والترصيف .