وثالثها : أن عرضها لم يرد به العرض الذي هو خلاف الطول ، وإنما أراد
سعتها وعظمها ، والعرب إذا وصفت الشئ بالسعة وصفته بالعرض . ويسأل فيقال :
إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماء والأرض فأين تكون النار ؟ فجوابه أنه روي
أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن ذلك فقال : " سبحان الله ! إذا جاء النهار فأين الليل ؟ "
وهذه معارضة فيها إسقاط المسألة ، لان القادر على أن يذهب بالليل حيث يشاء قادر
على أن يخلق النار حيث شاء .
ويسأل أيضا : إذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون لها هذا العرض ؟ والجواب أنه قيل : إن الجنة فوق السماوات السبع تحت العرش عن أنس بن مالك .
وقد قيل : إن الجنة فوق السماوات السبع وإن النار تحت الأرضين السبع ، عن
قتادة . وقيل : معنى قولهم : إن الجنة في السماء أنها في ناحية السماء وجهة السماء
لا أن السماء تحويها ، ولا ينكر أن يخلق الله في العلو أمثال السماوات والأرضين ،
وإن صح الخبر أنها في السماء الرابعة كان كما يقال : في الدار بستان لاتصاله
بها وكونه في ناحية منها أو يشرع إليه بابها وإن كان أضعاف الدار . وقيل : إن الله تعالى
يزيد في عرضها يوم القيامة فيكون المراد : عرضها السماوات والأرض يوم القيامة لا في
الحال ، عن أبي بكر أحمد بن علي مع تسليمه أنها في السماء " أعدت للمتقين " أي المطيعين لله
ولرسوله باجتناب المقبحات وفعل الطاعات ، وهذا يدل على أن الجنة مخلوقة اليوم
لأنها لا تكون معدة إلا وهي مخلوقة .
أقول : وقال الرازي في تفسير هذه الآية : وههنا سؤالات : الأول : ما معنى
أن عرضها مثل عرض السماوات والأرض ؟ فيه وجوه : الأول : أن المراد : لو جعلت
السماوات والأرضون طبقا طبقا بحيث يكون كل واحد من تلك الطبقات سطحا
مؤلفا من أجزاء لا يتجزى ثم وصل البعض بالبعض طبقا واحدا لكان ذلك مثل عرض
الجنة ، وهذا غاية في السعة لا يعلمها إلا الله . الثاني أن الجنة التي تكون عرضها
مثل عرض السماوات والأرض إنما يكون للرجل الواحد لان الانسان إنما يرغب
فيما يصير ملكا له ، فلابد وأن تكون الجنة المملوكة لكل واحد مقدار هذا ، ثم
بحار الأنوار — صفحة 83
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٨٣