* { 107 باب } *
* ( عمل الصور وابقائها واللعب بها ) *
الآيات : السبأ : يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل ( 1 ) .
هامش
( 1 ) السبأ : 12 ، قال الطبرسي : يعنى بالتماثيل صورا من نحاس وشبه وزجاج
ورخام ، كانت الجن تعملها ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : كانت صورا للحيوانات ، وقال
آخرون : كانوا يعملون صور السباع والبهائم على كرسيه ليكون أهيب له .
فذكروا أنهم صوروا أسدين أسفل كرسيه ونسرين فوق عمودي كرسيه ، فكان إذا
أراد أن يصعد الكرسي ، بسط الأسدان ذراعيهما ، وإذا علا على الكرسي نشر النسران
أجنحتهما ، فضللاه من الشمس .
قال الحسن : ولم تكن يومئذ التصاوير محرمة وهي محظورة في شريعة نبينا صلى الله عليه وآله
فان قال : لعن الله المصورين ، ويجوز أن يكره ذلك في زمن دون زمن ، وقد بين
الله سبحانه أن المسيح كان يصور بأمر الله من الطين كهيئة الطير .
وقال ابن عباس : كانوا يعملون صور الأنبياء والعباد في المساجد ليقتدى بهم ،
وروى عن الصادق ( ع ) أنه قال : والله ما هي تماثيل النساء والرجال ، ولكنه تماثيل الشجر
وما أشبهه .
أقول : ظاهر لفظ التماثيل : هو تصوير الصور من الانسان والحيوان ذات أبعاد
ثلاثة - وتسميه العامة اليوم مجسمة - ولم يذكر في القرآن الكريم الا مرتين : ثانيهما
قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ( ع ) " إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها
عاكفون - إلى أن قال : وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا " "
( الأنبياء - 52 - 58 ) .
ولا ريب أن التماثيل التي كانوا يعبدونها - وعبر عنها ثانيا " بالأصنام وجعلها
جذاذا " - ليس الا المجسمة ، ولا معنى لان يكون التماثيل في آية بمعنى تصوير المجسمة ،
وفى الأخرى بمعنى نقش الصور أو مجسمة الأشجار .
مع أن الأول وهو أن يكون المراد بالتماثيل نقش الصور ، لا يناسب قوله : " يعملون
له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات " فان التماثيل عد من
معمولاتهم في مقابل المحاريب والجفان والقدور ، فإذا كانت التماثيل هي النقوش في تلك
المعمولات لم يحسن عدها على حدة .
وأما المعنى الثاني وهو أن يكون المراد بالتماثيل مجسمة الأشجار ، كما روى
في أخبار ضعاف ، فهو غير معهود ولا مطلوب ، فان تصوير الأشجار مجسمة بيد الجن
والشيطان ، ونصبها في الجنان والبساتين ، عمل لغو بعد ما يقدر كل أحد على عمل الجنان
الحقيقي بإذن الله تعالى وإنما كان المطلوب لسليمان وقد سمى حشمة الله بناء مالا يقدر عليه
أحد غيره ، لكون الجن والشياطين أعوانه وعملته .
قال الله عز وجل " وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس فهم يوزعون * حتى
إذا أتوا على واد النمل إلى أن قال - فتبسم ضاحكا " من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر
نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا " ترضاه " لما رأى حشمته
وشوكته التي أعطاها الله ولم يعطها أحدا " غيره ، خلد في باله أن يبنى بيتا لله ذا حشمة
وشوكة لا يقدر على ايجاده غيره ، شكرا " لما وهبه من الملك الذي لا ينبغي لاحد
من بعده .
ولذلك سأل الله عز وجل أن يوزعه في الدنيا ويكف عنه الموت والمرض وكل ما
يشغله عن بناء البيت حتى يفرغ وينجز ما جعله على نفسه ، فشرع في بناء البيت
المقدس :
فجمع الشياطين وأرسل فرقة في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادته
وفرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها ، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من
أماكنها ، وفرقة يأتون بالدرر من البحار ، ثم أمرهم بنحت الأحجار أساطين وألواحا من
معالجة تلك الجواهر واللآلئ بأقدار هندسية كالمثمن والمسدس وغير ذل ، وبنى المسجد
الأعظم بألوان الرخام وعمده بأساطين المها وسقفه بألواح الجواهر ، وفضض سقوفه
وحيطانه باللآلئ واليواقيت والدرر .
ومما عملت الشياطين في تلك الأبنية المحاريب وهي جمع المحراب بمعنى الغرفة
العالية كالقصر ، ولا يسمى الغرفة محرابا الا إذا كان في الطبقة العالية : الثانية أو الثالثة
وأكثر ، إذا قدروا عليه ، فالمراد بالمحاريب الغرف فوق الغرف ، ومنه يظهر أن البيت
المقدس وهو نفس المسجد ، كان ذا طبقات عالية بعضها فوق بعض ولم تكن العامة تقدر على
ذلك ، ولا شاهدوه .
ومما علمت الشياطين في تلك الأبنية تحت الرخام وسائر الأحجار الكريمة بصورة
الحيوانات ذوات الأرواح وتمثيلها بصورة مهيبة ، واستعمالها في قواعد البيت ، كأن ترى
أسطوانة على صورة انسان عجيب الخلقة ، واضعا " قدميه على ظهر أسد معمولة من الرخام
كأنه قاعدة البيت ، ورافعا على رأسه قاعدة من قواعد الغرف العالية ، وهكذا .
ومما عملت الشياطين في حوائج ذلك البيت المقدس نحت الجفان وهي من عظمتها
كالجواب وقدور كبيرة لا يقدر على حملها أحد ، راسيات .
فقال عز وجل حينذاك " اعملوا آل داود " في بناء البيت وتمامه وأنجزوا ما جعلتم على
أنفسكم " شكرا " " لما وهبتكم من الملك الذي لا ينبغي لاحد من بعدكم ، فقد أوزعتكم
وأمهلتكم لبناء هذا البيت كما سألتموني ، " وقليل من عبادي الشكور " .
" فلما قضينا عليه الموت " ولم يتم بعد تزيين البيت ، قبضناه متكئا " على منسأته قائما كأنه
حي ينظر إلى عملة الشياطين والجن ، ولما تم البناء والتزيين ، وحق القول في ايزاعه
وامهالها " ما دلهم على موته الا دابة الأرض تأكل منسأته ، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا
يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " .
فالآيات الشريفة بنفسها تنص على أن الجن كانوا يعملون التماثيل في بناء البيت
المقدس ، ولا معنى لاستعمالها في البيت الا كما ذكرناه ، وهو المعهود من بناء السلاطين
بعده ، والروايات الواردة في ذلك ، تؤيد هذا المعنى أيضا " .
وأما أنه كيف جاز عمل الصور ؟
فالمسلم من الآيات الشريفة التي تبحث عن ذلك ، أن التماثيل إذا نصبت للعبادة
وعكف الناس على عبادتها وخلقوا لذلك افكا ، فهي صنم ووثن ، كما عرفت في قوله تعالى
" ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون " وقوله بعده " تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن
تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا " " فان كانت التماثيل منصوبة للعبادة ، يجب كسرها متابعة
لإبراهيم خليل الله وان كانت أعيانها مملوكة للغير ، منصوبة في بيت لهم ، وإنما يذكره الله
عز وجل ويطرى على فعله ذلك لأنه مرضى الله عز وجل مطلوب له من العباد ، فإذا وجب
كسرها - وان كانت أعيانها مملوكة للغير - فالمنع من نحتها وعملها أيضا واجب
ضروري .
وما روى عن النبي صلى الله عليه وآله كان يأمر سراياه بأن يكسروا التماثيل ويمحو نقوشها من
المعابد ، وجهه أن التماثيل الموجودة عند العرب لم تكن منصوبة الا للعبادة ، فكان الواجب
كسرها لمن ظفر عليها .
وأما نحتها وتصويرها لا للعبادة ، كما فعل ذلك سليمان بن داود عليه السلام فجعلها
في خدمة بيت الله المقدس ، ومعرض الهوان والذل والعبودية لله عز وجل بعدما كانت تعمل
عند الوثنيين للعبادة ويألهون إليها في حوائجهم ، فقد كان أمرا مستحسنا مرضيا لله عز وجل
والألم يقبله الله عز وجل شكرا لما أنعم عليه من الملك ، ولم يأمر به في قوله : " اعملوا
آل داود شكرا " ولم يمدحه بقوله : " وقليل من عبادي الشكور " .
فمن فعل كما فعل إبراهيم الخليل بالتماثيل المنصوبة للعبادة ، ففعله ممدوح :
ومن فعل فعل سليمان حشمة الله فعمل مثل آلهة الوثنيين ، وجعلها ذليلا مهانا " داخل
الحيطان وعلى رؤوسهم ثقل قباب بيت الله ، فهو مستحسن .
ولكن في دين النبي محمد صلى الله عليه وآله لا مساغ لبناء بيت كذلك ، لما نهى عن تذهيب
المساجد وتزويقها ، بل نهى عن السقوف المعمولة بالطين ، بل ورفع حيطانها أزيد من
القامة كما بنى صلى الله عليه وآله مسجده بالمدينة وقال : عرش كعريش موسى ، فلا وجه في دين
النبي صلى الله عليه وآله وسنته لعمل الصور ، وكان عملها مكروها ، وتزويق حيطان البيوت بها
خلودا " إلى الأرض وزخرفها وزبرجها ، وأما نصبها في الأسواق وداخل البيوت ، فهو يزيد
في الكراهة ، لأنه تشبه بعبدة الأصنام ولا حول ولا قوة الا بالله .