بالمنع فما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك مع أن أكثر حاجات
الناس إليك مالا مؤونة عليك فيه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف . فانتفع بما وصفت
لك واقتصر فيه على حظك ورشدك إن شاء الله .
ثم إن للملوك خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف ( 1 ) فاحسم
مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأشياء ، ولا تقطعن لاحد من حشمك ولا حامتك
قطيعة ( 2 ) ولا تعتمدن في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك
يحملون مؤونتهم على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا
والآخرة ( 3 )
عليك بالعدل في حكمك إذا انتهت الأمور وألزم الحق من لزمه من
القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابرا محتسبا ، وافعل ذلك بقرابتك حيث وقع
وابتغ عاقبته بما يثقل عليه منه ( 4 ) فان مغبة ذلك محمودة .
وإن ظنت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك ( 5 ) واعدل عنك ظنونهم
هامش
( 1 ) الاستئثار : تقديم النفس على الغير . والتطاول : الترفع والتكبر .
( 2 ) الحسم : القطع . والحشم - محركة - : الخدم . وفى النهج " حاشيتك " . والحامة
الخاصة . والقطيعة - من الاقطاع - : المنحة من الأرض .
( 3 ) العقدة : الولاية على البلد ، وما يمسك الشئ ويوثقه ، وموضع العقد وهو ما عقد
عليه والضيعة ، والعقار الذي اعتقده صاحبه ملكا ، والبيعة المعقودة لهم ، والمكان الكثير
الشجر أو النخل والكلاء الكافي للإبل . وفى النهج هكذا " ولا تقطعن لاحد من حاشيتك
وحامتك قطيعة ولا يطمعن منك في اعتقاد عقدة تضر بمن يليها من الناس " . والمهنأ ، ما يأتيك
بلا مشقة والمنفعة الهنيئة .
( 4 ) في النهج " واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حيث وقع وابتغ عاقبته بما يثقل عليك
منه " . والمغبة : العاقبة .
( 5 ) الحيف : الظلم . والاصحار : الابراز والاظهار . أي إذا فعلت فعلا وظنت الرعية
أنه ظلم فأبرز لهم عذرك وبينه . وعدل عنه : نحاه عنه .