قال الله تعالى : " ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا " ( 1 ) وقال :
" ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء " ( 2 ) وقال : " إن تمسسكم حسنة
تسوءهم " ( 3 ) أما بالفعل فهو غيبة وكذب ، وهو عمل صادر عن الحسد وليس هو
عين الحسد ، بل محل الحسد القلب دون الجوارح .
نعم هذا الحسد ليست مظلمة يجب الاستحلال منها ، بل هو معصية بينك وبين
الله وإنما تجب الاستحلال من الأسباب الظاهرة على الجوارح ، وأما إدا كففت
ظاهرك ، وألزمت مع ذلك قلبك كراهية ما يترشح منه بالطبع من حب زوال
النعمة ، حتى كأنك تمقت نفسك على ما في طبعها ، فتكون تلك الكراهية من جهة
العقل في مقابلة الميل من جهة الطبع ، فقد أديت الواجب عليك ، ولا مدخل
تحت اختيارك في أغلب الأحوال أكثر من هذا .
فأما تغيير الطبع ليستوي عنده الموذي والمحسن ، فيكون فرحة أو غمه بما
تيسر لهما من نعمة وتصب عليهما من بلية ، سواء ، فهذا مما لا يطاوع الطبع
عليه ، ما دام ملتفتا إلى حظوظ الدنيا إلا أن يصير مستغرقا بحب الله تعالى مثل
السكران الواله ، فقد ينتهي أمره إلى أن لا يلتفت قلبه إلى تفاصيل أحوال العباد
بل ينظر إلى الكل بعين واحدة ، وهو عين الرحمة ، ويرى الكل عباد الله ، وذلك
إن كان فهو كالبرق الخاطف لا يدوم ، ويرجع القلب بعد ذلك إلى طبعه ، ويعود
العدو إلى منازعته أعني الشيطان ، فإنه ينازع بالوسوسة ، فمهما قابل ذلك بكراهة
ألزم قلبه ، فقد أدى ما كلفه .
وذهب الذاهبون إلى أنه لا يأثم إذا لم يظهر الحسد على جوارحه وروي
مرفوعا أنه ثلاثة في المؤمن له منهن مخرج ومخرجه من الحسد أن لا يبغي ، والأولى
أن يحمل هذا على ما ذكرنا ، من أن يكون فيه كراهة من جهة الدين والعقل
هامش
( 1 ) الحشر : 9 .
( 2 ) النساء : 89 .
( 3 ) آل عمران : 120 .