ثم ظاهر الخبر أنه لابد أن يكون العبد دائما بين الخوف والرجاء ، لا
يغلب أحدهما على الآخر ، إذ لو رجح الرجاء لزم الامن لا في موضعه وقال
تعالى : " أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون " ( 1 ) ولو رجح
الخوف لزم اليأس الموجب للهلاك ، كما قال سبحانه : " ولا ييأس من روح الله إلا
القوم الكافرون " ( 2 ) .
وقيل : يستحب أن يغلب في حال الصحة الخوف ، فإذا انقضى الاجل
يستحب أن يغلب الرجاء ليلقى الله على حالة هي أحب إليه ، إذ هو سبحانه الرحمن
الرحيم ويحب الرجاء .
وقيل : ثمرة الخوف الكف عن المعاصي ، فعند دنو الاجل زالت تلك
الثمرة ، فينبغي غلبة الرجاء ، وقال بعضهم : الخوف ليس من الفضائل والكمالات
العقلية في النشأة الآخرة ، وإنما هو من الأمور النافعة للنفس في الهرب عن المعاصي
وفعل الطاعات ما دامت في دار العمل ، وأما عند انقضاء الأجل والخروج من الدنيا
فلا فائدة فيه ، وأما الرجاء فإنه باق أبدا إلى يوم القيامة ، لا ينقطع ، لأنه كلما
نال العبد من رحمة الله أكثر ، كان ازدياد طمعه فيما عند الله أعظم وأشد ، لان
خزائن جوده وخيره ورحمته غير متناهية لا تبيد ولا تنقص ، فثبت أن الخوف
منقطع ، والرجاء أبدا لا ينقطع انتهى .
والحق أن العبد ما دام في دار التكليف لابد له من الخوف والرجاء وبعد مشاهدة
أمور الآخرة يغلب عليه أحدهما لا محالة بحسب ما يشاهده من أحوالها .
2 - الكافي : محمد بن الحسن ، عن سهل بن زياد ، عن يحيى بن المبارك ، عن عبد الله
ابن جبلة ، عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : يا إسحاق ! خف الله
كأنك تراه وإن كنت لا تراه فإنه يراك ، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت
وإن كنت تعلم أنه يراك ثم برزت له بالمعصية ، فقد جعلته من أهون الناظرين
هامش
( 1 ) الأعراف : 99 .
( 2 ) يوسف : 87 .