أراده جل وتعالى ، فأما طول عنقها والمنفعة لها في ذلك فان منشأها ومرعاها في
غياطل ( 1 ) ذوات أشجار شاهقة ذاهبة طولا في الهواء فهي تحتاج إلى طول العنق لتناول
بفيها أطراف تلك الأشجار فتتقوت من ثمارها .
تأمل خلق القرد وشبهه بالانسان في كثير من أعضائه أعني الرأس والوجه
والمنكبين والصدر وكذلك أحشاؤه شبيهة أيضا بأحشاء الانسان ، وخص مع ذلك
بالذهن والفطنة التي بها يفهم عن سائسه ما يومي إليه ( 2 ) ويحكي كثيرا مما يرى
الانسان بفعله ، حتى أنه يقرب من خلق الانسان وشمائله في التدبير في خلقته على
ما هي عليه ، أن يكون ( 3 ) عبرة للانسان في نفسه ، فيعلم أنه من طينة البهائم
وسنخها ( 4 ) إذ كان يقرب من خلقها هذا القرب ، ولولا أنه فضيلة ( 5 ) فضله ( 6 ) بها
في الذهن والعقل والنطق كان كبعض البهائم ، على أن في جسم القرد فضولا أخرى
يفرق بينه وبين الانسان كالخطم والذنب المسدل والشعر المجلل للجسم كله ، وهذا
لم يكن مانعا للقرد أن يحلق بالانسان لو أعطي مثل ذهن الانسان وعقله ونطقه ،
والفصل الفاصل بينه وبين الانسان بالصحة ( 7 ) هو النقص في العقل والذهن والنطق .
انظر يا مفضل : إلى لطف الله جل اسمه بالبهائم كسيت أجسامهم هذه
الكسوة من الشعر والوبر والصوف ليقيها من البرد ، وكثرة الآفات ، وألبست
هامش
( 1 ) الغياطل جمع الغيطل وهو الشجر الكثير الملتف .
( 2 ) أي يشير إليه .
( 3 ) أي خلق كذلك لان يكون عبرة للانسان .
( 4 ) السنخ : الأصل .
( 5 ) في المخطوطة وفى التوحيد من البحار : وانه لولا فضيلة .
( 6 ) في التوحيد من البحار : فضله الله بها .
( 7 ) أي الفصل الصحيح الذي يصلح لان يكون فاصلا . وقال المصنف : في أكثر النسخ :
" وهو " وعلى هذا فلا يبعد أن تكون الصحة تصحيف القحة أي قلة الحياء .