وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث ولا ينظرون في سندها ، ولا يفرقون بين حقها وباطلها ،
ولا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها ، ولا يحصلون معاني ما يطلقونه منها ، والذي ثبت
من الحديث في هذا الباب أن الأرواح بعد موت الأجساد على ضربين : منها ما ينقل
إلى الثواب والعقاب ، ومنها ما يبطل فلا يشعر بثواب ولا عقاب .
وقد روي عن الصادق عليه السلام ما ذكرناه في هذا المعنى وبيناه ، فسئل عمن مات
في هذه الدار أين تكون روحه ؟ فقال : من مات وهو ماحض للايمان محضا أو ماحض
للكفر محضا نقلت روحه من هيكله إلى مثله في الصورة ، وجوزي بأعماله إلى يوم
القيامة ، فإذا بعث الله من في القبور أنشأ جسمه ورد روحه إلى جسده وحشره ليوفيه
أعماله ، فالمؤمن ينتقل روحه من جسده إلى مثل جسده في الصورة فيجعل في جنات من جنان
الدنيا يتنعم فيها إلى يوم المآب ، والكافر ينتقل روحه من جسده إلى مثله بعينه ويجعل
في نار فيعذب بها إلى يوم القيامة ، وشاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى : " قيل ادخل
الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي " وشاهد ما ذكرناه في الكافر قوله
تعالى : " النار يعرضون عليها غدوا وعشيا " فأخبر سبحانه أن مؤمنا قال بعد موته وقد
ادخل الجنة : يا ليت قومي يعلمون ، وأخبر أن كافرا يعذب بعد موته غدوا وعشيا
ويوم تقوم الساعة يخلد في النار ، والضرب الآخر من يلهى عنه ويعدم نفسه عنه فساد
جسمه ، فلا يشعر بشئ حتى يبعث ، وهو من لم يمحض الايمان محضا ، ولا الكفر محضا ،
وقد بين الله تعالى ذلك عند قوله : " إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما " فبين أن
قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور حتى يظن بعضهم أن ذلك كان عشرا ،
أو يظن بعضهم : أن ذلك كان يوما ، وليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذب
إلى بعثه ونعم إلى بعثه ، لان من لم يزل منعما أو معذبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل
به ، ولا يلتبس عليه الامر في بقائه بعد وفاته .
وقد روي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال : إنما يسأل في قبره من محض الايمان
محضا ، أو محض الكفر محضا ، فأما ما سوى هذين فإنه يلهى عنه ، وقال في الرجعة :
بحار الأنوار — صفحة 253
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٢٥٣