ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل ، وقالت لهم : صه يا أهل الكوفة
تقتلنا رجالكم ، وتبكينا نساؤكم ؟ فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء
فبينما هي تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت ، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين
عليه السلام وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله ولحيته كسواد
السبج قد انتصل منها ( 1 ) الخضاب ، ووجهه دارة قمر طالع والرمح تلعب بها يمينا
وشمالا فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها فنطحت جبينها بمقدم المحمل ، حتى رأينا
الدم يخرج من تحت قناعها وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول :
يا هلالا لما استتم كمالا * غاله خسفه فأبدا غروبا
ما توهمت يا شقيق فؤادي * كان هذا مقدرا مكتوبا
يا أخي فاطم الصغيرة كلمها * فقد كاد قلبها أن يذوبا
يا أخي قلبك الشفيق علينا * ماله قد قسى وصار صليبا ؟
يا أخي لو ترى عليا لدى الأسر * مع اليتم لا يطيق وجوبا
كلما أوجعوه بالضرب نادا * ك بذل يغيض دمعا سكوبا
يا أخي ضمه إليك وقربه * وسكن فؤاده المرعوبا
ما أذل اليتيم حين ينادي * بأبيه ولا يراه مجيبا
ثم قال السيد : ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس ، وأذن إذنا عاما وجيئ
برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه وادخل - نساء الحسين وصبيانه إليه ، فجلست
زينب بنت علي عليه السلام متنكرة فسأل عنها فقيل : هذه زينب بنت علي ، فأقبل عليها
فقالت : الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم ، فقالت : إنما يفتضح الفاسق
ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا ، فقال ابن زياد : كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟
هامش
( 1 ) السبج معرب شبه وهو حجر أسود شديد السواد براق وله فوائد طبية ، وكثيرا
ما يشبه به الأشياء سوادا كقول الحكيم الطوسي " شبى چون شبه روى شسته بقير " وبه سموا
السبيج والسبيجة والسبجة للثوب الأسود وقد صحفت الكلمة تارة بالشيخ كما في الأصل
وتارة بالشبح كما في الكمباني واما النصل والانتصال : فهو خروج اللحية من الخضاب
ومنه لحية ناصل