البحار ، وما في لحاء الأشجار والمفاوز والقفار ، وإفهام بعضها عن بعض منطقها ، وما
تفهم به أولادها عنها ، ونقلها الغذاء إليها ، ثم تأليف ألوانها حمزة مع صفرة ، وبياضا مع
حمرة علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف ، وأن كل صانع شئ فمن شئ صنع ، والله الخالق
اللطيف الجليل خلق وصنع لامن شئ
قلت : جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى يقول :
" تبارك الله أحسن الخالقين " فقد أخبر أن في عباده خالقين وغير خالقين ، منهم عيسى
خلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فنفخ فيه فصار طائرا بإذن الله ، والسامري خلق لهم
عجلا جسدا له خوار .
قلت : إن عيسى خلق من الطين طيرا دليلا على نبوته ، والسامري خلق عجلا
جسدا لنقض نبوة موسى وشاء الله أن يكون ذلك كذلك ؟ إن هذا لهو العجب ، فقال :
ويحك يا فتح إن الله إرادتين ومشيتين : إرادة حتم ، وإرادة عزم ، ينهى وهو يشاء ، ويأمر
وهو لا يشاء ، أو ما رأيت أنه نهي آدم وزوجته عن أن يأكلا من الشجرة وهو شاء ذلك ؟
ولو لم يشأ لم يأكلا ، ولو أكلا لغلبت مشيتهما مشية الله ، ( 1 ) وأمر إبراهيم بذبح ابنه
إسماعيل وشاء أن لا يذبحه ولو لم يشأ أن لا يذبحه لغلبت مشية إبراهيم مشية الله عز وجل .
قلت : فرجت عني فرج الله عنك غير أنك قلت : السميع البصير ، سميع باذن ،
وبصير بالعين ؟ فقال : إنه يسمع بما يبصر ، ويرى بما يسمع ، بصير لا بعين مثل عين المخلوقين ،
وسميع لا بمثل سمع السامعين ، لكن لما لا تخفى عليه خافية ( 2 ) من أثر الذرة السوداء على
الصخرة الصماء في الليلة الظلماء تحت الثرى والبحار ، قلنا : بصير لا بمثل عين المخلوقين ،
وسميع بما لم تشتبه عليه ضروب اللغات ، ( 3 ) ولم يشغله سمع عن سمع ، قلنا : سميع لا
بمثل السامعين .
قلت : جعلت فداك قد بقيت مسألة . قال : هات لله أبوك . قلت : يعلم القديم الشئ
الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون ؟ قال : ويحك إن مسائلك لصعبة ، أما سمعت
هامش
( 1 ) وفي نسخة : ولو لم يشأ أن يأكلا لغلبت مشيتهما مشية الله .
( 2 ) في التوحيد المطبوع : لكن لما لم يخف عليه خافية .
( 3 ) في التوحيد المطبوع : ولما لم يشتبه عليه ضروب اللغات إه .