اتق الله يا أبا بكر فقد علمت أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال - ونحن محتوشوه يوم قريظة
حين فتح الله له وقد قتل على يومئذ عدة من صنا ديد رجالهم ، وأولى البأس والنجدة
منهم : يا معاشر المهاجرين والأنصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ومودعكم
أمرا فاحفظوه ، ألا إن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أميركم بعدي ، وخليفتي فيكم ،
بذلك أوصاني ربي ألا وإنكم إن لم تحفظوا فيه وصيتي وتوازروه وتنصروه ، اختلفتم
في أحكامكم ، واضطرب علكيم أمر دينكم ، ووليكم شراركم ألا إن أهل بيتي هم
الوارثون لأمري ، والعالمون بأمر أمتي من بعدي اللهم من أطاعهم من أمتي وحفظ
فيهم وصيتي فاحشرهم في زمرتي ، واجعل لهم نصيبا من مرافقتي ، يدركون به نور
الآخرة ، اللهم ومن أساء خلافتي في أهل بيتي فأحرمه الجنة التي عرضها كعرض
السماء والأرض .
فقال له عمر بن الخطاب : اسكت يا خالد ! فلست من أهل المشهورة ، ولا
ممن يقتدى برأيه ، فقال خالد : اسكت يا ابن الخطاب فإنك تنطق عن لسان غيرك ،
وأيم الله لقد علمت قريش أنك من ألأمها حسبا وأدناها منصبا وأخسها قدرا
وأخملها ذكرا وأقلهم غناء عن الله ورسوله ، وإنك لجبان في الحروب ، بخيل بالمال
لئيم العنصر ، مالك في قريش من فخر ، ولا في الحروب من ذكر ، وإنك في هذا
الامر بمنزلة الشيطان إذ قال للانسان أكفر فلما كفر قال إني برئ منك إني أخاف الله رب العالمين ، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين ،
فأبلس عمر ، وجلس خالد بن سعيد .
2 - ثم قام سلمان الفارسي ( 1 ) وقال : كرديد ونكرديد [ وندانيد چه
هامش
( 1 ) روى ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 2 ص 17 عن أبي بكر أحمد بن عبد -
العزيز الجوهري باسناده عن المغيرة أن سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا
عليا بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلما بويع أبو بكر قال سلمان للصحابة : أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن
قال : وفى رواية أخرى : أصبتم ذا السن منكم ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم ، أما لو جعلتموها
فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغدا .
قال ابن أبي الحديد : قلت : هذا الخبر هو الذي روته المتكلمون في باب الإمامة عن
سلمان أنه قال : " كرديد ونكرديد " تفسره الشيعة فتقول : أراد أسلمتم وما أسلمتم ، ويفسره
أصحابنا فيقولون : معناه أخطأتم وأصبتم .
وقال السيد المرتضى في الشافي : 401 : فان قيل : المروى عن سلمان أنه قال كرديد
ونكرديد وليس بمقطوع به قلنا : إن كان خبر السقيفة وشرح ما جرى فيها من الأقوال مقطوعا
به ، فقول سلمان مقطوع به ، لان كل من روى السقيفة رواه وليس هذا مما يختص الشيعة
بنقله فيتهم فيه . . .
وليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية وهم عرب ، وذلك أن سلمان وان تكلم
بالفارسية فقد فسره بقوله أصبتم وأخطأتم : أصبتم سنة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم إلى
آخر ما سيجئ في آخر هذا الباب ( تتميم ) نقلا عن تلخيص الشافي .
أقول : ولفظ سلمان على ما في أنساب الأشراف 1 / 591 العثمانية ص 172 و 179
و 187 و 237 " كرداذ وناكرداذ " فالظاهر من قوله " كرداذ وناكرداذ " ان صنيعهم هذا صنيع
وليس بصنيع ( قال في البرهان : كرداد - وزان بغداد بالفتح : البناء والأساس وقال : كردار
بكر الأول القاعدة والسيرة : آئين - روش ) فنفى الفعل ثانيا بعد اثباته الا يفيد أن ما
صنعوه لم يكن على وفق الحق ومقتضاه حيث إن الناس وإن كان لابد لهم من أمير يطاوعون له :
يصدرون عن نهيه ويردون بأمره ، لكن الذي يجب أن يطاوع ويبايع ليس هو أبو بكر الذي
لا يمكنه أن يتخطا خطا النبي ص ويحذو حذوه ، ولا له عصمة كعصمة النبي فلا يؤثر في اشعارهم
وأبشارهم ولا . . . والف ولا .
واما الاعتراض بأنه كيف خاطبهم بالفارسية أولا ثم خاطبهم بالعربية - وقد أكثر في
ذلك الجاحظ في العثمانية ص 186 فعندي أن ذلك معهود من طبيعة الانسان إذا كان في نفسه
نفثة لا يمكنه أن يصدرها كما هي ، أخرجها مهمهما كخواطر النفوس وإذا كان عارفا بلسانين
كسلمان الفارسي أصدر النفثة بلسان غير لسان المخاطبين ثم مضى في كلامه بلسانهم ، فروى
تلك الكلمة من سمعها من سلمان وترجمها من كان يعرف اللغة الفارسية بعد ذلك .