عندها أبصرها بعض العيون فجاؤوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى ، فقالت أخته : هذه
الحرس بالباب ، فطاش عقلها فلم تعقل ما تصنع خوفا عليه ، فلفته في خرقة ووضعته في التنور
- وهو مسجور - بإلهامه تعالى ، فدخلوا فإذا التنور مسجور .
وروي أن أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن ، فقالوا : ما أدخل عليك
القابلة ؟ قالت : هي مصافية لي فدخلت علي زائرة ، فخرجوا من عندها فرجع إليها عقلها
فقالت لأخت موسى : فأين الصبي ؟ قالت : لا أدري ، فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت
إليه وقد جعل الله النار عليه بردا وسلاما ، فاحتملته .
وعن ابن عباس قال : انطلقت أم موسى إلى نجار من قوم فرعون فاشترت منه
تابوتا صغيرا ، فقال لها : ما تصنعين به ؟ قالت : ابن لي أخبؤه فيه ، ( 1 ) وكرهت أن تكذب
فانطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمرها ، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه وجعل
يشير بيده فلم يدر الامناء ، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم : اضربوه ، فضربوه وأخرجوه ،
فوقع في واد يهوى فيه ( 2 ) حيران ، فجعل الله عليه أن رد لسانه وبصره إن لا يدل عليه
ويكون معه يحفظه ، فرد الله عليه بصره ولسانه ، فآمن به وصدقه ، فانطلقت أم
موسى وألقته في البحر ، وذلك بعدما أرضعته ثلاثة أشهر ، وكان لفرعون يومئذ بنت
ولم يكن له ولد غيرها ، وكانت من أكرم الناس عليه ، وكان بها برص شديد وقد قالت
أطباء المصر والسحرة : إنها لا تبرء إلا من قبل البحر يوجد منه شبه الانسان فيؤخذ من
ريقه فيلطخ به برصها فتبرء من ذلك ، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق ، فلما
كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية ، فأقبلت بنت
فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن إذ أقبل النيل
بالتابوت تضربه الأمواج ، فأخذوه فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره
غيرها ، للذي أراد الله أن يكرمها ، ( 3 ) فعالجته ففتحت الباب ، فإذا نوره بين عينيه ، وقد
هامش
( 1 ) أي اخفيه فيه .
( 2 ) هوى في الأرض : ذهب فيها .
( 3 ) علة لرؤيتها دون غيرها .