في مخلاته التي تكون فيها حجارته التي كان يرمي بها عن غنمه بمقذافه ، ( 1 ) فلما
دخل العسكر سمعهم يتعظمون أمر جالوت ، فقال لهم داود : ما تعظمون من أمره
فوالله لئن عاينته لأقتلنه ؟ فتحدثوا بخبره حتى ادخل على طالوت ، فقال : يا فتى
وما عندك من القوة وما جربت من نفسك ؟ قال : كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي
فأدركه فاخذه برأسه فأفك لحيته ( 2 ) عنها فاخذها من فيه ، قال : فقال : ادع لي بدرع
سابغة ، قال : فاتي بدرع فقذفها في عنقه فتملأ منها حتى راع طالوت ومن حضره
من بني إسرائيل ، فقال طالوت : والله لعسى الله أن يقتله به ، قال : فلما أن أصبحوا
ورجعوا إلى طالوت والتقى الناس قال داود عليه السلام : أروني جالوت ، فلما رآه أخذ
الحجر فجعله في مقذافه فرماه فصك به بين عينيه فدمغه ونكس عن دابته ، وقال الناس :
قتل داود جالوت ، وملكه الناس حتى لم يكن يسمع لطالوت ذكر ، واجتمعت بنو
إسرائيل على داود وأنزل الله عليه الزبور ، وعلمه صنعة الحديد فلينه له ، وأمر الجبال
والطير يسبحن معه ، قال : ولم يعط أحد مثل صوته ، فأقام داود في بني إسرائيل مستخفيا
وأعطي قوة في عبادته . ( 3 )
أقول : قال صاحب الكامل : لما انقطع إلياس عن بني إسرائيل بعث الله اليسع ،
فكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه الله ، وعظمت فيهم الاحداث وعندهم التابوت يتوارثونه
فيه السكينة وبقية مما ترك ( 4 ) آل موسى وآل هارون ، تحمله الملائكة ، فكانوا لا يلقاهم
عدو فيقدمون التابوت إلا هزم الله العدو وكانت السكينة شبه رأس هر فإذا صرخت في
التابوت بصراخ هر أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح ، ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاف ،
وكان الله يمنعهم ويحميهم ، فلما عظمت أحداثهم نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا
التابوت فاقتتلوا فغلبهم عدوهم على التابوت وأخذه منهم وانهزموا ، فلما علم ملكهم أن
التابوت اخذ مات كمدا ، ( 5 ) ودخل العدو أرضهم ونهب وسبى وعاد فمكثوا على اضطراب
هامش
( 1 ) المقذاف : آلة ترمى بها .
( 2 ) الصحيح كما في البرهان : افك لحييه عنها .
( 3 ) تفسير العياشي مخطوط وأخرجه البحراني وما تقدم في تفسير البرهان 2 : 237 و 238 .
( 4 ) في نسختين : وفيه ما ترك .
( 5 ) في نسختين : مات تحسرا . والكمد : الحزن والغم الشديد .