شاهدها تزني كما يشهد الشاهد على الزنا ، أو تكون دعوى مطلقة . وإذا نفى الحمل فلا
يخلو أن ينفيه أيضا نفيا مطلقا ، أو يزعه انه لم يقربها بعد استبرائها ، فهذه أربعة أحوال
بسائط ، وسائر الدعاوي تتركب عن هذه ، مثل أن يرميها بالزنا وينفي الحمل ، أو يثبت
الحمل ويرميها بالزنى . فأما وجوب اللعان بالقذف بالزنا إذا ادعى الرؤية فلا خلاف
فيه ، قالت المالكية : إذا زعم أنه لم يطأها بعد ، وأما وجوب اللعان بمجرد القذف ،
فالجمهور على جوازه : الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد وداود وغيرهم . وأما
المشهور عن مالك ، فإنه لا يجوز اللعان عنده بمجرد القذف ، وقد قال ابن القاسم أيضا :
إنه يجوز ، وهي أيضا رواية عن مالك . وحجة الجمهور عموم قوله تعالى : * ( والذين
يرمون أزواجهم ) * الآية ، ولم يخص في الزنا صفة دون صفة ، كما قال في إيجاب حد
القذف ، وحجة مالك ظواهر الأحاديث الواردة في ذلك ، منها قوله في حديث سعد
أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا وحديث ابن عباس ، وفيه فجاء
رسول الله ( ص ) فقال : والله يا رسول الله لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني ، فكره
رسول الله ( ص ) ما جاء به واشتد عليه ، فنزلت * ( والذين يرمون أزواجهم ) * الآية وأيضا
فإن الدعوى يجب أن تكون ببينة كالشهادة . وفي هذا الباب فرع اختلف فيه قول مالك ،
وهو إذا ظهر بها حمل بعد اللعان ، فعن مالك في ذلك روايتان : إحداهما : سقوط الحمل
عنه ، والأخرى لحوقه به . واتفقوا فيما أحسب أن من شرط الدعوى الموجبة اللعان
برؤية الزنا أن تكون في العصمة . واختلفوا فيمن قذف زوجته بدعوى الزنا ثم طلقها
ثلاثا هل يكون بينهما لعان أم لا ؟ فقال مالك والشافعي والأوزاعي وجماعة : بينهما
لعان ، وقال أبو حنيفة : لا لعان بينهما إلا أن ينفي ولدا ولا حد ، وقال مكحول
والحكم وقتادة يحد ولا يلاعن . وأما إن نفى الحمل فإنه كما قلنا على وجهين :
أحدهما : أن يدعي أنه استبرأها ولم يطأها بعد الاستبراء ، وهذا ما لا خلاف فيه .
واختلف قول مالك في الاستبراء ، فقال مرة : ثلاث حيض ، وقال مرة : حيضة . وأما
نفيه مطلقا ، فالمشهور عن مالك أنه لا يجب بذلك لعان ، وخالفه في هذا الشافعي
وأحمد وداود ، وقالوا : لا معنى لهذا لأن المرأة قد تحمل مع رؤية الدم ، وحكى
عبد الوهاب عن أصحاب الشافعي أنه لا يجوز نفي الحمل مطلقا من غير قذف
واختلفوا من هذا الباب في فرع ، وهو وقت نفي الحمل ، فقال الجمهور : ينفيه وهي
حامل ، وشرط مالك أنه متى لم ينفه وهو حمل لم يجز له أن ينفيه بعد الولادة بلعان ،
وقال الشافعي : إذا علم الزوج بالحمل فأمكنه الحاكم من اللعان فلم يلاعن لم يكن له
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 94
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٩٤