الركن الثاني : في شروط العقد ، وفيه ثلاثة فصول : الفصل الأول : في الأولياء ،
والثاني : في الشهود ، والثالث : في الصداق .
الفصل الأول : في الأولياء
والنظر في الأولياء في مواضع أربعة : الأول : في اشتراط الولاية في صحة النكاح .
الموضع الثاني : في صفة الولي . الثالث : في أصناف الأولياء وترتيبهم في الولاية . وما
يتعلق بذلك . الرابع : في عضل الأولياء من يلونهم ، وحكم الاختلاف الواقع بين الولي
والمولى عليه .
الموضع الأول : اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ليست
بشرط ؟ فذهب مالك إلى أنه لا يكون النكاح إلا بولي ، وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب
عنه ، وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري : إذا عقدت المرأة نكاحها بغير
ولي وكان كفؤا جاز ، وفرق داود بين البكر والثيب فقال باشتراط الولي في البكر وعدم
اشتراطه في الثيب . ويتخرج على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع : أن اشتراطها
سنة لا فرض ، وذلك أنه روي عنه أنه كان يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي ، وأنه يجوز
للمرأة غير الشريفة أن تستخلف رجلا من الناس على إنكاحها ، وكان يستحب أن تقدم الثيب
وليها ليعقد عليها ، فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط الصحة بخلاف عبارة البغداديين
من أصحاب مالك . أعني أنهم يقولون إنها من شروط الصحة لا من شروط التمام . وسبب
اختلافهم : أنه لم تأت آية ولا سنة هي ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في
ذلك نص ، بل الآيات والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها
محتملة . وكذلك الآيات والسنن التي يحتج بها من يشترط اسقاطها هي أيضا محتملة في ذلك ،
والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلا حديث ابن عباس وإن كان
المسقط لها ليس عليه دليل ، لان الأصل براءة الذمة . ونحن نورد مشهور ما احتج به الفريقان
ونبين وجه الاحتمال في ذلك . فمن أظهر ما يحتج به من الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى :
* ( فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) * قالوا : وهذا خطاب للأولياء ، ولو لم
يكن لهم في الولاية لما نهوا عن العضل . وقوله تعالى : * ( ولا تنكحوا المشركين حتى
يؤمنوا ) * قالوا : وهذا خطاب للأولياء أيضا . ومن أشهر ما احتج به هؤلاء من الأحاديث ما
رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت : قال رسول الله ( ص ) أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها
فنكاحها باطل ( ثلاث مرات ) وإن دخل بها فالمهر لها بما أصاب منها . فإن اشتجروا فالسلطان
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 8
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٨