أي فتلك مدة استقبال العدة لئلا يتبعض القرء بالطلاق في الحيض . وأقوى ما تمسك
به الفريق الثاني أن العدة إنما شرعت لبراءة الرحم ، وبراءتها إنما تكون بالحيض لا بالأطهار ،
ولذلك كان عدة من ارتفع الحيض عنها بالأيام ، فالحيض هو سبب العدة بالأقراء ، فوجب أن
تكون الأقراء هي الحيض ، واحتج من قال الأقراء هي الأطهار بأن المعتبر في براءة الرحم
هو النقلة من الطهر إلى الحيض لا انقضاء الحيض ، فلا معنى لاعتبار الحيضة الأخيرة ، وإذا
كان ذلك فالثلاث المعتبر فيهن التمام : أعني المشترط هي الأطهار التي بين الحيضتين ،
ولكلا الفريقين احتجاجات طويلة . ومذهب الحنفية أظهر من جهة المعنى ، وحجتهم من
جهة المسموع متساوية أو قريب من متساوية ، ولم يختلف القائلون أن العدة هي الأطهار أنها
تنقضي بدخولها في الحيضة الثالثة . واختلف الذين قالوا إنها الحيض ، فقيل تنقضي بانقطاع
الدم من الحيضة الثالثة ، وبه قال الأوزاعي ، وقيل حين تغتسل من الحيضة الثالثة ، وبه قال
من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود ، ومن الفقهاء الثوري وإسحاق بن عبيد ،
وقيل حتى يمضي وقت الصلاة التي طهرت في وقتها ، وقيل إن للزوج عليها الرجعة وإن
فرطت في الغسل عشرين سنة ، حكي هذا عن شريك . وقد قيل تنقضي بدخولها في الحيضة
الثالثة . وهو أيضا شاذ . فهذه هي حال الحائض التي تحيض . وأما التي تطلق فلا تحيض
وهي في سن الحيض وليس هناك ريبة حمل ولا سبب من رضاع ولا مرض ، فإنها تنتظر عند
مالك تسعة أشهر فإن لم تحض فيهن اعتدت بثلاثة أشهر ، فإن حاضت قبل أن تستكمل
الثلاثة الأشهر اعتبرت الحيض واستقبلت انتظاره ، فإن مر بها تسعة أشهر قبل أن تحيض الثانية
اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت قبل أن تستكمل الثلاثة أشهر من العام الثاني انتظرت الحيضة
الثالثة ، فإن مر بها تسعة أشهر قبل أن تحيض اعتدت ثلاثة أشهر ، فإن حاضت الثالثة في
الثلاثة الأشهر كانت قد استكملت عدة الحيض وتمتد عدتها ، ولزوجها عليها الرجعة ما لم
تحل . واختلف عن مالك متى تعتد بالتسعة أشهر ؟ فقيل من يوم طلقت ، وهو قوله في
الموطأ ، وروى ابن القاسم عنه : من يوم رفعها حيضتها . وقال أبو حنيفة والشافعي
والجمهور في التي ترتفع حيضتها وهي لا تيأس منها في المستأنف : إنها تبقى أبدا تنتظر حتى
تدخل في السن الذي تيأس فيه من المحيض ، وحينئذ تعتد بالأشهر وتحيض قبل ذلك ،
وقول مالك مروي عن عمر بن الخطاب وابن عباس . وقول الجمهور قول ابن مسعود وزيد .
وعمدة مالك عن طريق المعنى هو أن المقصود بالعدة إنما هو ما يقع به براءة الرحم ظنا غالبا
بدليل أنه قد تحيض الحامل ، وإذا كان ذلك كذلك فعدة الحمل كافية في العلم ببراءة
الرحم هي قاطعة على ذلك ، ثم تعتد بثلاثة أشهر عدة اليائسة . فإن حاضت قبل تمام
السنة حكم لها بحكم ذوات الحيض ، واحتسبت بذلك القرء ، ثم تنتظر القرء الثاني أو السنة
إلى أن يمضي لها ثلاثة أقراء . وأما الجمهور فصاروا إلى ظاهر قوله تعالى : * ( واللائي يئسن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 73
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٧٣