حتى يبلغ ، وقال في مختصر ما ليس في المختصر : إنه يلزمه إذا ناهز الاحتلام ، وبه قال
أحمد بن حنبل إذا هو أطاق صيام رمضان ، وقال عطاء : إذا بلغ اثنتي عشرة سنة جاز طلاقه ،
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وأما طلاق السكران ، فالجمهور من الفقهاء
على وقوعه ، وقال قوم : لا يقع ، منهم المزني وبعض أصحاب أبي حنيفة . والسبب في
اختلافهم : هل حكمه حكم المجنون أم بينهما فرق ؟ فمن قال هو والمجنون سواء إذ كان
كلاهما فاقدا للعقل ، ومن شرط التكليف العقل قال : لا يقع ، ومن قال الفرق بينهما أن
السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته والمجنون بخلاف ذلك ألزم السكران الطلاق ،
وذلك من باب التغليظ عليه ، واختلف الفقهاء فيما يلزم السكران بالجملة من الاحكام وما
لا يلزمه ، فقال مالك : يلزمه الطلاق والعتق والقود من الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح
ولا البيع ، وألزمه أبو حنيفة كل شئ ، وقال الليث : كل ما جاء من منطق السكران
فموضوع عنه ، ولا يلزمه طلاق ولا عتق ولا نكاح ولا بيع ولا حد في قذف ، وكل ما جنته
جوارحه فلازم له ، فيحد في الشرب والقتل والزنا والسرقة وثبت عن عثمان بن عفان
رضي الله عنه أنه كان لا يرى طلاق السكران ، وزعم بعض أهل العلم أنه لا مخالف لعثمان
في ذلك من الصحابة . وقول من قال : إن كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه ليس نصا في
إلزام السكران الطلاق لان السكران معتوه ما ، وبه قال داود وأبو ثور وإسحاق وجماعة من
التابعين : أعني أن طلاقه ليس يلزم ، وعن الشافعي القولان في ذلك ، واختار أكثر أصحابه
قوله الموافق للجمهور واختار المزني من أصحابه أن طلاقه غير واقع . وأما المريض
الذي يطلق طلاقا بائنا ويموت من مرضه ، فإن مالكا وجماعة يقول : ترثه زوجته ، والشافعي
وجماعة لا يورثها ، والذين قالوا بتوريثها انقسموا ثلاث فرق : ففرقة قالت لها الميراث ما
دامت في العدة ، وممن قال بذلك أبو حنيفة وأصحابه والثوري . وقال قوم : لها الميراث ما
لم تتزوج ، وممن قال بهذا أحمد وابن أبي ليلى ، وقال قوم : بل ترث كانت في العدة أو لم
تكن ، تزوجت أم لم تتزوج ، وهو مذهب مالك والليث . وسبب الخلاف : اختلافهم في
وجوب العمل بسد الذرائع ، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في
مرضه زوجته ليقطع حظها من الميراث ، فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها ، ومن لم يقل
بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب له ميراثا ، وذلك أن هذه الطائفة تقول : إن
كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه لأنهم قالوا : إنه لا يرثها إن ماتت . وإن
كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها ، ولا بد لخصومهم من أحد الجوابين ، لأنه
يعسر أن يقال إن في الشرع نوعا من الطلاق توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام
الزوجية ، وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح ، لان هذا يكون طلاقا
موقوف الحكم إلى أن يصح أو لا يصح وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع ، ولكن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 66
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٦٦