الزوجية بعد رجعة أم ليس من شرطه ؟ فمن قال هو من شرطه قال : لا يتبعها فيه طلاقا ،
ومن قال ليس من شرطه أتبعها الطلاق ولا خلاف بينهم في وقوع الطلاق المتبع .
وأما الموضع الثاني : فإن مالكا ذهب إلى أن المطلق ثلاثا بلفظ واحد مطلق لغير سنة
وذهب الشافعي إلى أنه مطلق للسنة . وسبب الخلاف : معارضة إقراره عليه الصلاة والسلام
للمطلق بين يديه ثلاثا في لفظة واحدة لمفهوم الكتاب في حكم الطلقة الثالثة . والحديث
الذي احتج به الشافعي هو ما ثبت من أن العجلاني طلق زوجته ثلاثا بحضرة رسول الله ( ص )
بعد الفراغ من الملاعنة قال : فلو كان بدعة لما أقره رسول الله ( ص ) . وأما مالك فلما رأى أن
المطلق بلفظ الثلاث رافع للرخصة التي جعلها الله في العدد قال فيه إنه ليس للسنة .
واعتذر أصحابه عن الحديث بأن المتلاعنين عنده قد وقعت الفرقة بينهما من قبل التلاعن
نفسه ، فوقع الطلاق على غير محله ، فلم يتصف لا بسنة ولا ببدعة ، وقول مالك - والله
أعلم - أظهر ههنا من قول الشافعي .
وأما الموضع الثالث : في حكم من طلق في وقت الحيض فإن الناس اختلفوا من
ذلك في مواضع : منها أن الجمهور قالوا يمضي طلاقه ، وقالت فرقة : لا ينفذ ولا يقع ،
والذين قالوا ينفذ قالوا : يؤمر بالرجعة وهؤلاء افترقوا فرقتين فقوم رأوا أن ذلك
واجب وأنه يجبر على ذلك ، وبه قال مالك وأصحابه . وقالت فرقة بل يندب إلى ذلك ولا يجبر ،
وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد والذين أوجبوا الاجبار اختلفوا في الزمان
الذي يقع فيه الاجبار ، فقال مالك وأكثر أصحابه ابن القاسم وغيره يجبر ما لم تنقض
عدتها ، وقال أشهب : لا يجبر إلا في الحيضة الأولى . والذين قالوا بالأمر بالرجعة
اختلفوا متى يوقع الطلاق بعد الرجعة إن شاء ، فقوم اشترطوا في الرجعة أن يمسكها حتى
تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء طلقها وإن شاء أمسكها ، وبه قال
مالك والشافعي وجماعة ، وقوم قالوا : بل يراجعها ، فإن طهرت من تلك الحيضة التي
طلقها فيها فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون ، وكل من اشترط
في طلاق السنة أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه لم ير الامر بالرجعة إذا طلقها في طهر
مسها فيه ، فهنا إذن أربع مسائل : أحدها : هل يقع هذا الطلاق أم لا ؟ والثانية : إن وقع
فهل يجبر على الرجعة أم يؤمر فقط ؟ والثالثة : متى يوقع الطلاق بعد الاجبار أو الندب .
والرابعة : متى يقع الاجبار .
أما المسألة الأولى : فإن الجمهور إنما صاروا إلى أن الطلاق إن وقع في الحيض
اعتد به ، وكان طلاقا لقوله ( ص ) في حديث ابن عمر مره فليراجعها قالوا : والرجعة لا
تكون إلا بعد طلاق ، وروى الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج أنهم أرسلوا إلى
نافع يسألونه هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول الله ( ص ) ؟ قال نعم ، وروى أنه
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 52
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٥٢