أو أعرض عنهم ) * وبهذا تمسك من رأى الخيار ، ومن أوجبه اعتمد قوله تعالى : * ( وأن
احكم بينهم ) * ورأي أن هذا ناسخ لآية التخيير . وأما من رأى وجوب الحكم عليهم
وإن لم يترافعوا ، فإنه احتج بإجماعهم على أن الذمي إذا سرق قطعت يده
الباب الخامس :
في كيفية القضاء وأما كيف يقضي القاضي ، فإنهم أجمعوا على أنه واجب عليه أن يسوي بين الخصمين في
المجلس وألا يسمع من أحدهما دون الآخر ، وأن يبدأ بالمدعي فيسأله البينة إن أنكر المدعى
عليه . وإن لم يكن له بينة فإن كان في ماله وجبت اليمين على المدعى عليه باتفاق ، وإن كانت
في طلاق أو نكاح أو قتل وجبت عند الشافعي بمجرد الدعوى . وقال مالك : لا تجب إلا مع
شاهد ، وإذا كان في المال فهل يحلفه المدعى عليه بنفس الدعوى أم لا يحلفه حتى يثبت
المدعي الخلطة اختلفوا في ذلك ، فقال جمهور فقهاء الأمصار : اليمين تلزم المدعى عليه
بنفس الدعوى لعموم قوله عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس : البينة على المدعي
واليمين على المدعى عليه وقال مالك : لا تجب اليمين إلا بالمخالطة ، وقال بها السبعة من
فقهاء المدينة . وعمدة من قال بها النظر إلى المصلحة لكيلا يتطرق الناس بالدعاوي إلى تعنيت
بعضهم بعضا ، وإذاية بعضهم بعضا ، ومن هنا لم ير مالك إحلاف المرأة زوجها إذا ادعت عليه
الطلاق إلا أن يكون معها شاهد ، وكذلك إحلاف العبد سيده في دعوى العتق عليه . والدعوى
لا تخلو أن تكون في شئ في الذمة أو في شئ بعينه ، فإن كانت في الذمة فادعى المدعى
عليه البراءة من تلك الدعوى وأن له بينة سمعت منه بينته باتفاق . وكذلك إن كان اختلاف في
عقد وقع أو عين مثل بيع أو غير ذلك . وأما إن كانت الدعوى في عين وهو الذي يسمى
استحقاقا ، فإنهم اختلفوا هل تسمع بينة المدعى عليه ؟ فقال أبو حنيفة : لا تسمع بينة المدعى
عليه إلا في النكاح وما لا يتكرر ، وقال غيره : لا تسمع في شئ ، وقال مالك والشافعي :
تسمع - أعني في أن تشهد للمدعي بينة المدعى عليه أنه مال له وملك . فعمدة من قال
لا تسمع أن الشرع قد جعل البينة في حيز المدعي واليمين في حيز المدعى عليه ، فوجب أن
لا ينقلب الامر ، وكان ذلك عندهما عبادة . وسبب الخلاف : هل تفيد بينة المدعى عليه معنى
زائدا على كون الشئ المدعي فيه موجودا بيده ، أم ليست تفيد ذلك ؟ فمن قال : لا تفيد معنى
زائدا قال : لا معنى لها ، ومن قال تفيد : اعتبرها . فإذا قلنا باعتبار بينة المدعى عليه فوقع
التعارض بين البينتين ولم تثبت إحداهما أمر زائدا مما لا يمكن أن يتكرر في ملك ذي الملك .
فالحكم عند مالك أن يقضي بأعدل البينتين ولا يعتبر الأكثر ، وقال أبو حنيفة : بينة المدعي
أولى على أصله ولا تترجح عنده بالعدالة كما لا تترجح عند مالك بالعدد ، وقال الأوزاعي :
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 387
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٣٨٧