وأبو حنيفة وأبو ثور والثوري وداود وغيرهم : الكفار كلهم يتوارثون ، وكان شريح وابن أبي ليلى
وجماعة يجعلون الملل التي لا تتوارث ثلاثا : النصارى واليهود والصابئين ملة ، والمجوس ومن
لا كتاب له ملة ، والإسلام ملة . وقد روي عن ابن أبي ليلى مثل قول مالك . وعمدة مالك ومن
قال بقوله ما روى الثقات عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ( ص ) قال : لا يتوارث
أهل ملتين ، وعمدة الشافعية والحنفية قوله عليه الصلاة والسلام : لا يرث المسلم الكافر ولا
الكافر المسلم وذلك أن المفهوم من هذا بدليل الخطاب أن المسلم يرث المسلم والكافر يرث
الكافر . والقول بدليل الخطاب فيه ضعف وخاصة هنا . واختلفوا في توريث الحملاء ،
والحملاء هم الذين يتحملون بأولادهم من بلاد الشرك إلى بلاد الاسلام وهم يدعون الولادة الموجبة للنسب ، وذلك على
ثلاثة أقوال : قول إنهم يتوارثون بما يدعون من النسب ، وهو قول جماعة من التابعين وإليه ذهب
إسحاق . وقول إنهم لا يتوارثون إلا ببينة تشهد على أنسابهم ، وبه قال شريح والحسن وجماعة .
وقول إنهم لا يتوارثون أصلا وروي عن عمر الثلاثة الأقوال ، إلا أن الأشهر عنه أنه كان لا
يورث إلا من ولد في بلاد العرب وهو قول عثمان وعمر بن عبد العزيز . وأما مالك وأصحابه
فاختلف في ذلك قولهم ، فمنهم من رأى أن لا يورثون إلا ببينة ، وهو قول ابن القاسم : ومنهم
من رأى أن لا يورثون أصلا ولا بالبينة العادلة ، وممن قال بهذا القول من أصحاب مالك
عبد الملك ابن الماجشون ، وروى ابن القاسم عن مالك في أهل حصن نزلوا على حكم
الاسلام ، فشهد بعضهم لبعض أنهم يتوارثون ، وهذا يتخرج منه أنهم يتوارثون بلا بينة . لان
مالكا لا يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض قال : فأما إن سبوا فلا يقبل قولهم في ذلك .
وبنحو هذا التفصيل قال الكوفيون والشافعي وأحمد وأبو ثور ، وذلك أنهم قالوا : إن خرجوا إلى
بلاد الاسلام وليس لاحد عليهم يد قبلت دعواهم في أنسابهم ، وأما إن أدركهم السبي والرق فلا
يقبل قولهم إلا ببينة . ففي المسألة أربعة أقوال : اثنان طرفان ، واثنان مفرقان . وجمهور العلماء
من فقهاء الأمصار ومن الصحابة علي وزيد وعمر أن من لا يرث لا يحجب مثل الكافر والمملوك
والقاتل عمدا ، وكان ابن مسعود يحجب بهؤلاء الثلاثة دون أن يورثهم أعني بأهل الكتاب
وبالعبيد وبالقاتلين عمدا ، وبه قال داود وأبو ثور . وعمدة الجمهور أن الحجب في معنى الإرث
وأنهما متلازمان . وحجة الطائفة الثانية أن الحجب لا يرتفع إلا بالموت . واختلف العلماء في
الذين يفقدون في حرب أو غرق أو هدم ولا يدرى من مات منهم قبل صاحبه كيف يتوارثون إذا
كانوا أهل ميراث ؟ فذهب مالك وأهل المدينة إلى أنهم لا يورث بعضهم من بعض ، وأن ميراثهم
جميعا لمن بقي من قرابتهم الوارثين أو لبيت المال إن لم تكن لهم قرابة ترث ، وبه قال الشافعي
وأبو حنيفة وأصحابه فيما حكى عنه الطحاوي . وذهب علي وعمر ( رضي الله عنهما ) وأهل
الكوفة وأبو حنيفة - فيما ذكر غير الطحاوي عنه - وجمهور البصريين إلى أنهم يتوارثون وصفة
بداية المجتهد ونهاية المقتصد — صفحة 288
مساهمون: أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد)
ص٢٨٨